سورة الصف · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا بيان لعظمته تعالى وقهره، وذل جميع الخلق له تبارك وتعالى، وأن جميع من في السماوات والأرض يسبحون بحمد الله ويعبدونه ويسألونه حوائجهم، { وهو العزيز } الذي قهر الأشياء بعزته وسلطانه، { الحكيم } في خلقه وأمره. { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به، فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه، قال تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون [البقرة: 44] وقال شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه [هود: 88].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الصف ١–٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم [في بيتنا] (1) وأنا صبي قال: فذهبت لأخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله: تعال أعطك. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما أردت أن تعطيه؟ ". قالت: تمرا. فقال: "أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة" (2) وذهب الإمام مالك، رحمه الله، إلى أنه إذا تعلق بالوعد غرم على الموعود وجب الوفاء به، كما لو قال لغيره: "تزوج ولك علي كل يوم كذا". فتزوج، وجب عليه أن يعطيه ما دام كذلك، لأنه تعلق به حق آدمي، وهو مبني على المضايقة. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فرضية الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 77، 78] . وقال تعالى: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} الآية [محمد: 20] وهكذا هذه الآية معناها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله -عز وجل-دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به. فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به (3) لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} ؟. وهذا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والربوبية {وهو العزيز} [إبراهيم: 4] في نقمته ممن عصاه منهم فكفر به، وخالف أمره {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره إياهم.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٦٠٦) ↗التحرير والتنوير
… أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبر الله أن أحب الأعمال: إيمان به وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم. فأنزل الله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. ومثله عن أبي صالح يقتضي أن السورة نزلت بعد أن أمروا بالجهاد بآيات غير هذه السورة. وبعد أن وعدوا بالانتداب للجهاد ثم تقاعدوا عنه وكرهوه. وهذا المروي عن ابن عباس وهو أوضح وأوفق بنظم الآية، والاستفهام فيه للتوبيخ واللوم وهو المناسب لقوله بعده كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [الصف: 3] . وعن مقاتل بن حيان: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملنا به فدلهم الله فقال: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا [الصف: 4] ، فابتلوا يوم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٧٢) ↗