سورة الأنعام · الآية ٩٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كماله، وعظمة سلطانه، وقوة اقتداره، وسعة رحمته، وعموم كرمه، وشدة عنايته بخلقه، فقال: { إن الله فالق الحب } شامل لسائر الحبوب التي يباشر الناس زرعها، والتي لا يباشرونها، كالحبوب التي يبثها الله في البراري والقفار، فيفلق الحبوب عن الزروع والنوابت، على اختلاف أنواعها، وأشكالها ومنافعها، ويفلق النوى عن الأشجار من النخيل والفواكه، وغير ذلك. فينتفع الخلق من الآدميين والأنعام والدواب. ويرتعون فيما فلق الله من الحب والنوى، ويقتاتون وينتفعون بجميع أنواع المنافع التي جعلها الله في ذلك. ويريهم الله من بره وإحسانه ما يبهر العقول، ويذهل الفحول، ويريهم من بدائع صنعته وكمال حكمته، ما به يعرفونه ويوحدونه، ويعلمون أنه هو الحق، وأن عبادة ما سواه باطلة. { يخرج الحي من الميت } كما يخرج من المني حيوانا، ومن البيضة فرخا، ومن الحب والنوى زرعا وشجرا. { ومخرج الميت } وهو الذي لا نمو فيه، أو لا روح { من الحي } كما يخرج من الأشجار والزروع، النوى والحب، ويخرج من الطائر بيضا، ونحو ذلك. { ذلكم } الذي فعل ما فعل، وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها { الله } ربكم أي: الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين، وهو الذي ربى جميع العالمين بنعمه، وغذاهم بكرمه. { فأنى تؤفكون } أي: فأنى تصرفون، وتصدون عن عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا؟!! ولما ذكر تعالى مادة خلق الأقوات، ذكر منته بتهيئة المساكن، وخلقه كل ما يحتاج إليه العباد، من الضياء والظلمة، وما يترتب على ذلك من أنواع المنافع والمصالح فقال: { فالق الإصباح } أي: كما أنه فالق الحب والنوى، كذلك هو فالق ظلمة الليل الداجي، الشامل لما على وجه الأرض، بضياء الصبح الذي يفلقه شيئا فشيئا، حتى تذهب ظلمة الليل كلها، ويخلفها الضياء والنور العام، الذي يتصرف به الخلق في مصالحهم ومعايشهم، ومنافع دينهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ومستودع حيث يموت. وقال سعيد بن جبير: {فمستقر} في الأرحام وعلى ظهر الأرض، وحيث يموت. وقال الحسن البصري: المستقر الذي [قد] (1) مات فاستقر به عمله. وعن ابن مسعود: ومستودع في الدار الآخرة. والقول الأول هو الأظهر، والله أعلم. وقوله: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي: يفهمون ويعون كلام الله ومعناه. وقوله: {وهو الذي أنزل من السماء ماء} أي بقدر مباركا، رزقا للعباد وغياثا (2) للخلائق، رحمة من الله لخلقه {فأخرجنا به نبات كل شيء} كما قال {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30] {فأخرجنا منه خضرا} أي: زرعا وشجرا أخضر، ثم بعد ذلك يخلق فيه الحب والثمر؛ ولهذا قال: {نخرج منه حبا متراكبا} أي: يركب بعضه بعضا، كالسنابل ونحوها {ومن النخل من طلعها قنوان} أي: جمع قنو وهي عذوق الرطب {دانية} أي: قريبة من المتناول، كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: {قنوان دانية} يعني بالقنوان الدانية: قصار النخل اللاصقة عذوقها (3) بالأرض. رواه ابن جرير. قال ابن جرير: وأهل الحجاز يقولون: قنوان، وقيس يقولون: قنوان، وقال امرؤ القيس: فأثت أعاليه وآدت أصوله ... ومال بقنوان من البسر أحمرا ... قال: وتميم يقولون (4) قنيان بالياء -قال: وهي جمع قنو، كما أن صنوان جمع صنو (5) وقوله: {وجنات من أعناب} أي: ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف عند أهل الحجاز، وربما كانا (6) خيار الثمار في الدنيا، كما امتن تعالى بهما على عباده، في قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] ، وكان ذلك قبل تحريم الخمر. وقال: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب} [يس: 34] . وقوله: {والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} قال قتادة وغيره: يتشابه في الورق، قريب الشكل بعضه من بعض، ويتخالف في الثمار شكلا وطعما وطبعا. وقوله: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} أي: نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
آدم عليه السلام
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٤٣٢) ↗التحرير والتنوير
الميت من الحي في سياق الاستدلال على وقوع البعث والحشر. ويسمي تلك الحجج آيات كقوله وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون [الأنعام: 98] ، وكما سيجيء في أول سورة الرعد [2] الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها. وذكر في خلال ذلك تفصيل الآيات إلى قوله: وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد [الرعد: 5] . وكذلك ذكر الدلائل على وحدانية الله باستقلاله بالخلق، كقوله: وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه- إلى قوله- وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست [الأنعام: 101- 105] إلخ، وكقوله في الاستدلال على انفراده بأنواع الهداية وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. ولما كان نزول القرآن على الرسول- عليه الصلاة والسلام- حجة على صدقه في إخباره أنه منزل من عند الله لما اشتمل عليه من العلوم وتفاصيل المواعظ وأحوال الأنبياء والأمم وشرع الأحكام مع كون الذي جاء به معلوم الأمية بينهم قد قضى شبابه بين ظهرانيهم، جعله آية على صدق الرسول- عليه الصلاة والسلام- فيما أخبر به عن الله تعالى، فسماه آيات في قوله: وإذا تتلى عليهم آياتنا، بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا [الحج: 72] فلم يشأ الله أن يجعل الدلائل على الأشياء من غير ما يناسبها. أما الجهلة والضالون فهم يرومون آيات من عجائب التصاريف الخارقة لنظام العالم، يريدون أن تكون علامة بينهم وبين الله على حسب اقتراحهم بأن يحييهم إليها إشارة منه إلى أنه صدق الرسول فيما بلغ عنه، فهذا ليس من قبيل الاستدلال ولكنه من قبيل المخاطرة ليزعموا أن عدم إجابتهم لما اقترحوه علامة على أن الله لم يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة. ومن أين لهم أن الله يرضى بالنزول معهم إلى هذا المجال، ولذلك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗