سورة الأنعام · الآية ٩٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كماله، وعظمة سلطانه، وقوة اقتداره، وسعة رحمته، وعموم كرمه، وشدة عنايته بخلقه، فقال: { إن الله فالق الحب } شامل لسائر الحبوب التي يباشر الناس زرعها، والتي لا يباشرونها، كالحبوب التي يبثها الله في البراري والقفار، فيفلق الحبوب عن الزروع والنوابت، على اختلاف أنواعها، وأشكالها ومنافعها، ويفلق النوى عن الأشجار من النخيل والفواكه، وغير ذلك. فينتفع الخلق من الآدميين والأنعام والدواب. ويرتعون فيما فلق الله من الحب والنوى، ويقتاتون وينتفعون بجميع أنواع المنافع التي جعلها الله في ذلك. ويريهم الله من بره وإحسانه ما يبهر العقول، ويذهل الفحول، ويريهم من بدائع صنعته وكمال حكمته، ما به يعرفونه ويوحدونه، ويعلمون أنه هو الحق، وأن عبادة ما سواه باطلة. { يخرج الحي من الميت } كما يخرج من المني حيوانا، ومن البيضة فرخا، ومن الحب والنوى زرعا وشجرا. { ومخرج الميت } وهو الذي لا نمو فيه، أو لا روح { من الحي } كما يخرج من الأشجار والزروع، النوى والحب، ويخرج من الطائر بيضا، ونحو ذلك. { ذلكم } الذي فعل ما فعل، وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها { الله } ربكم أي: الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين، وهو الذي ربى جميع العالمين بنعمه، وغذاهم بكرمه. { فأنى تؤفكون } أي: فأنى تصرفون، وتصدون عن عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا؟!! ولما ذكر تعالى مادة خلق الأقوات، ذكر منته بتهيئة المساكن، وخلقه كل ما يحتاج إليه العباد، من الضياء والظلمة، وما يترتب على ذلك من أنواع المنافع والمصالح فقال: { فالق الإصباح } أي: كما أنه فالق الحب والنوى، كذلك هو فالق ظلمة الليل الداجي، الشامل لما على وجه الأرض، بضياء الصبح الذي يفلقه شيئا فشيئا، حتى تذهب ظلمة الليل كلها، ويخلفها الضياء والنور العام، الذي يتصرف به الخلق في مصالحهم ومعايشهم، ومنافع دينهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي: يشقه في الثرى فتنبت الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى؛ ولهذا فسر [قوله] (1) {فالق الحب والنوى} بقوله {يخرج الحي من الميت} أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت، كما قال: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * [وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض] (2) ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 33 -36] . وقوله: {ومخرج الميت من الحي} معطوف على {فالق الحب والنوى} ثم فسره ثم عطف عليه قوله: {ومخرج الميت من الحي} وقد عبروا عن هذا [وهذا] (3) بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، من قائل: يخرج الولد الصالح من الكافر، والكافر من الصالح، وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها. ثم قال: {ذلكم الله} أي: فاعل هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له {فأنى تؤفكون} أي: فكيف تصرفون من الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون مع الله غيره. وقوله: {فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا} أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة: {وجعل الظلمات والنور} فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بدآدئه (4) وظلام رواقه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، كما قال [تعالى] (5) {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} [الأعراف: 54] ، فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح وقابل ذلك بقوله: {وجاعل الليل سكنا} أي: ساجيا مظلما تسكن فيه الأشياء، كما قال: {والضحى والليل إذا سجى} [الضحى: 1، 2] ، وقال {والليل إذا يغشى * …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
المحجة، فتهتدون بها إلى الطريق والمحجة فتسلكونه، وتنجون بها من ظلمات
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٤٣١) ↗التحرير والتنوير
… آيات كقوله وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون [الأنعام: 98] ، وكما سيجيء في أول سورة الرعد [2] الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها. وذكر في خلال ذلك تفصيل الآيات إلى قوله: وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد [الرعد: 5] . وكذلك ذكر الدلائل على وحدانية الله باستقلاله بالخلق، كقوله: وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه- إلى قوله- وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست [الأنعام: 101- 105] إلخ، وكقوله في الاستدلال على انفراده بأنواع الهداية وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. ولما كان نزول القرآن على الرسول- عليه الصلاة والسلام- حجة على صدقه في إخباره أنه منزل من عند الله لما اشتمل عليه من العلوم وتفاصيل المواعظ وأحوال الأنبياء والأمم وشرع الأحكام مع كون الذي جاء به معلوم الأمية بينهم قد قضى شبابه بين ظهرانيهم، جعله آية على صدق الرسول- عليه الصلاة والسلام- فيما أخبر به عن الله تعالى، فسماه آيات في قوله: وإذا تتلى عليهم آياتنا، بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا [الحج: 72] فلم يشأ الله أن يجعل الدلائل على الأشياء من غير ما يناسبها. أما الجهلة والضالون فهم يرومون آيات من عجائب التصاريف الخارقة لنظام العالم، يريدون أن تكون علامة بينهم وبين الله على حسب اقتراحهم بأن يحييهم إليها إشارة منه إلى أنه صدق الرسول فيما بلغ عنه، فهذا ليس من قبيل الاستدلال ولكنه من قبيل المخاطرة ليزعموا أن عدم إجابتهم لما اقترحوه علامة على أن الله لم يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة. ومن أين لهم أن الله يرضى بالنزول معهم إلى هذا المجال، ولذلك قال تعالى: قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون، أي لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗