البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٨

﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا إخبار من الله لرسوله عن شدة عناد الكافرين، وأنه ليس تكذيبهم لقصور فيما جئتهم به، ولا لجهل منهم بذلك، وإنما ذلك ظلم وبغي، لا حيلة لكم فيه، فقال: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم } وتيقنوه { لقال الذين كفروا } ظلما وعلوا { إن هذآ إلا سحر مبين }. فأي بينة أعظم من هذه البينة، وهذا قولهم الشنيع فيها، حيث كابروا المحسوس الذي لا يمكن من له أدنى مسكة من عقل دفعه؟!! { وقالوا } أيضا تعنتا مبنيا على الجهل، وعدم العلم بالمعقول. { لولا أنزل عليه ملك } أي: هلا أنزل مع محمد ملك، يعاونه ويساعده على ما هو عليه بزعمهم أنه بشر، وأن رسالة الله، لا تكون إلا على أيدي الملائكة. قال الله في بيان رحمته ولطفه بعباده، حيث أرسل إليهم بشرا منهم يكون الإيمان بما جاء به عن علم وبصيرة وغيب. { ولو جعلنه ملكا } برسالتنا، لكان الإيمان لا يصدر عن معرفة بالحق، ولكان إيمانا بالشهادة الذي لا ينفع شيئا وحده، هذا إن آمنوا، والغالب أنهم لا يؤمنون بهذه الحالة، فإذا لم يؤمنوا قضي الأمر بتعجيل الهلاك عليهم وعدم إنظارهم، لأن هذه سنة الله فيمن طلب الآيات المقترحة فلم يؤمن بها، فإرسال الرسول البشري إليهم بالآيات البينات، التي يعلم الله أنها أصلح للعباد وأرفق بهم، مع إمهال الله للكافرين والمكذبين خير لهم وأنفع، فطلبهم لإنزال الملك شر لهم لو كانوا يعلمون، ومع ذلك فالملك لو أنزل عليهم، وأرسل، لم يطيقوا التلقي عنه، ولا احتملوا ذلك، ولا أطاقته قواهم الفانية. { ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا } لأن الحكمة لا تقتضي سوى ذلك. { وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي: ولكان الأمر مختلطا عليهم وملبوسا وذلك بسبب ما لبسوه على أنفسهم، فإنهم بنوا أمرهم على هذه القاعدة التي فيها اللبس، وبها عدم بيان الحق. فلما جاءهم الحق بطرقه الصحيحة، وقواعده التي هي قواعده، لم يكن ذلك هداية لهم، إذا اهتدى بذلك غيرهم، والذنب ذنبهم، حيث أغلقوا على …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} الآية [آل عمران: 164] . قال الضحاك، عن ابن عباس في [قوله: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} ] (1) الآية. يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون. وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم. وقوله: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} هذا تسلية لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. ثم قال: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله (2) وعاندوهم، من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنون. يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال النبي (3) صلى الله عليه وسلم "إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي" (4) وقوله: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده لميقات يوم معلوم [وهو يوم القيامة] (5) الذي لا ريب فيه ولا شك فيه عند عباده

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٤٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أتيتهم به واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعت به عذرهم: هلا نزل عليك ملك من السماء في صورته يصدقك على ما جئتنا به، ويشهد لك بحقيقة ما تدعي من أن الله أرسلك إلينا كما قال تعالى مخبرا عن المشركين في قيلهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} [الفرقان: 7] ، {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون} [الأنعام: 8] يقول: ولو أنزلنا ملكا على ما سألوا ثم كفروا ولم يؤمنوا بي وبرسولي، لجاءهم العذاب عاجلا غير آجل، ولم ينظروا فيؤخروا بالعقوبة مراجعة التوبة، كما فعلت بمن قبلهم من الأمم التي سألت الآيات ثم كفرت بعد مجيئها من تعجيل النقمة وترك الإنظار

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٦٠) ↗

التحرير والتنوير

وقوله: فلمسوه عطف على نزلنا. واللمس وضع اليد على الشيء لمعرفة وجوده، أو لمعرفة وصف ظاهره من لين أو خشونة، ومن برودة أو حرارة، أو نحو ذلك. فقوله: بأيديهم تأكيد لمعنى اللمس لرفع احتمال أن يكون مجازا في التأمل، كما في قوله تعالى: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وللإفصاح عن منتهى ما اعتيد من مكابرتهم ووقاحتهم في الإنكار والتكذيب، وللتمهيد لقوله: لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين لأن المظاهر السحرية تخيلات لا تلمس. وجاء قوله: الذين كفروا دون أن يقول: لقالوا، كما قال: فلمسوه إظهارا في مقام الإضمار لقصد تسجيل أن دافعهم إلى هذا التعنت هو الكفر، لأن الموصول يؤذن بالتعليل. ومعنى: إن هذا إلا سحر مبين أنهم يغالطون أنفسهم ويغالطون قومهم لستر مكابرتهم ولدفع ما ظهر من الغلبة عليهم. وهذا شأن المغلوب المحجوج أن يتعلق بالمعاذير الكاذبة. والمبين: البين الواضح، مشتق من (أبان) مرادف (بان) . وتقدم معنى السحر عند قوله تعالى: يعلمون الناس السحر في سورة البقرة [] . [8، 9] وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) عطف على قوله: ولو نزلنا عليك كتابا، لأن هذا خبر عن توركهم وعنادهم، وما قبله بيان لعدم جدوى محاولة ما يقلع عنادهم، فذلك فرض بإنزال كتاب عليهم، من السماء فيه تصديق النبيء صلى الله عليه وسلم، وهذا حكاية لاقتراح منهم آية يصدقونه بها. وفي سيرة ابن إسحاق أن هذا القول واقع، وأن من جملة من قال هذا زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث وأبي

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٤٢) ↗