البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٧٠

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

المقصود من العباد أن يخلصوا لله الدين، بأن يعبدوه وحده لا شريك له، ويبذلوا مقدورهم في مرضاته ومحابه. وذلك متضمن لإقبال القلب على الله وتوجهه إليه، وكون سعي العبد نافعا، وجدا لا هزلا، وإخلاصا لوجه الله لا رياء وسمعة، هذا هو الدين الحقيقي الذي يقال له دين، فأما من زعم أنه على الحق، وأنه صاحب دين وتقوى، وقد اتخذ دينه لعبا ولهوا. بأن لها قلبه عن محبة الله ومعرفته، وأقبل على كل ما يضره، ولها في باطله، ولعب فيه ببدنه، لأن العمل والسعي إذا كان لغير الله فهو لعب، فهذا أمر الله تعالى أن يترك ويحذر، ولا يغتر به، وتنظر حاله، ويحذر من أفعاله، ولا يغتر بتعويقه عما يقرب إلى الله. { وذكر به } أي: ذكر بالقرآن ما ينفع العباد، أمرا، وتفصيلا، وتحسينا له، بذكر ما فيه من أوصاف الحسن، وما يضر العباد نهيا عنه، وتفصيلا لأنواعه، وبيان ما فيه، من الأوصاف القبيحة الشنيعة الداعية لتركه، وكل هذا لئلا تبسل نفس بما كسبت، أي: قبل اقتحام العبد للذنوب وتجرئه على علام الغيوب، واستمرارها على ذلك المرهوب، فذكرها، وعظها، لترتدع وتنزجر، وتكف عن فعلها. وقوله: { ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } أي: قبل [أن] تحيط بها ذنوبها، ثم لا ينفعها أحد من الخلق، لا قريب ولا صديق، ولا يتولاها من دون الله أحد، ولا يشفع لها شافع { وإن تعدل كل عدل } أي: تفتدي بكل فداء، ولو بملء الأرض ذهبا { لا يؤخذ منهآ } أي: لا يقبل ولا يفيد. { أولئك } الموصوفون بما ذكر { الذين أبسلوا } أي: أهلكوا وأيسوا من الخير، وذلك { بما كسبوا لهم شراب من حميم } أي: ماء حار قد انتهى حره، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم { وعذاب أليم بما كانوا يكفرون }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٧٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا} أي: دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم؛ ولهذا قال: {وذكر به} أي: وذكر الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة. وقوله: {أن تبسل نفس بما كسبت} أي: لئلا تبسل. قال الضحاك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والسدي: تبسل: تسلم. وقال الوالبي، عن ابن عباس: تفتضح. وقال قتادة: تحبس. وقال مرة وابن زيد تؤاخذ. وقال الكلبيي: تجازي (1) وكل هذه العبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب، كما قال: {كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين} [المدثر: 38، 39] . وقوله: {ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع} أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كما قال: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] . وقوله: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} أي: ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كما قال: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا [ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين] (2) } [آل عمران: 91] ، وهكذا قال هاهنا: {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} قال السدي: قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله، عز وجل: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا} أي: في الكفر {بعد إذ هدانا الله} فيكون مثلنا مثل الذي {استهوته الشياطين في الأرض [حيران] } (3) يقول: مثلكم، إن كفرتم بعد الإيمان، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: "ائتنا فإنا على الطريق"، فأبى أن

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٧٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ذر هؤلاء الذين اتخذوا دين الله وطاعتهم إياه لعبا ولهوا، فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته واللهو PageEndV09P319 والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم، فأعرض عنهم، فإني لهم بالمرصاد، وإني لهم من وراء الانتقام منهم، والعقوبة لهم على ما يفعلون، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا، ونسيانهم المعاد إلى الله تعالى والمصير إليه بعد الممات

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٣١٨) ↗

التحرير والتنوير

وعن الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى، أي قوله: وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين [الأنعام: 68] تذكرة لك وليست مؤاخذة بالنسيان، إذ ليس على المتقين تبعة سماع استهزاء المستهزئين ولكنا ذكرناهم بالإعراض عنهم لعلهم يتقون سماعهم. والجمهور على أن هذه الآية ليس بمنسوخة. وعن ابن عباس والسدي أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء [140] وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم بناء على رأيهم أن قوله: وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء أباح للمؤمنين القعود ولم يمنعه إلا على النبيء صلى الله عليه وسلم بقوله: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم [الأنعام: 68] كما تقدم آنفا. [70] 70] وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (70) عطف على جملة: فأعرض عنهم [الأنعام: 68] أو على جملة: وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء [الأنعام: 69] . وهذا حكم آخر غير حكم الإعراض عن الخائضين في آيات الله ولذلك عطف عليه. وأتي بموصول وصلة أخرى فليس ذلك إظهارا في مقام الإضمار. وذر فعل أمر. قيل: لم يرد له ماض ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول. فتصاريفه هذه مماتة في الاستعمال استغناء عنها بأمثالها من مادة ترك تجنبا للثقل واستعملوا مضارعه والأمر منه. وجعله علماء التصريف مثالا واويا لأنهم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٩٤) ↗