البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٦٩

﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

المراد بالخوض في آيات الله: التكلم بما يخالف الحق، من تحسين المقالات الباطلة والدعوة إليها ومدح أهلها، والإعراض عن الحق والقدح فيه وفي أهله. فأمر الله رسوله أصلا، وأمته تبعا، إذا رأوا من يخوض بآيات الله بشيء مما ذكر بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل، والاستمرار على ذلك حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور. فإن كان مصلحة كان مأمورا به، وإن كان غير ذلك كان غير مفيد ولا مأمور به، وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث والنظر والمناظرة بالحق ثم قال: { وإما ينسينك الشيطن } أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة. { فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين } يشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر، الذي لا يقدر على إزالته. هذا النهي والتحريم لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون } أي: ولكن ليذكرهم ويعظهم، لعلهم يتقون الله تعالى. وفي هذا دليل على أنه ينبغي أن يستعمل المذكر من الكلام ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى. وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ، مما يزيد الموعوظ شرا إلى شره، إلى أن تركه هو الواجب، لأنه إذا ناقض المقصود، كان تركه مقصودا.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٦٨–٦٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… أحد معهم ناسيا {فلا تقعد بعد الذكرى} بعد التذكر {مع القوم الظالمين} ولهذا ورد في الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (2) وقال السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: {وإما ينسينك الشيطان} قال: إن نسيت فذكرت، فلا تجلس معهم. وكذا قال مقاتل بن حيان. وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} الآية [النساء: 140] أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه. وقوله: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، قوله: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم. وقال آخرون: بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: {إنكم إذا مثلهم} [النساء: 140] . قاله مجاهد، والسدي، وابن جريج، وغيرهم. وعلى قولهم، يكون قوله: {ولكن ذكرى لعلهم يتقون} أي: ولكن أمرناكم (3) بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه؛ لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٧٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تبعة فيما بينه وبين الله، إذا لم يكن تركه الإعراض عنهم رضا بما هم فيه، وكان لله بحقوقه متقيا، ولا عليه من إثمهم بذلك حرج، ولكن ليعرضوا عنهم حينئذ. {ذكرى} [الأنعام: 69] لأمر الله. {لعلهم يتقون} [البقرة: 187] يقول: ليتقوا. ومعنى الذكرى: الذكر، والذكر والذكرى بمعنى، وقد يجوز أن يكون ذكرى في موضع نصب ورفع، فأما النصب فعلى ما وصفت من تأويل: ولكن ليعرضوا عنهم ذكرى، وأما الرفع فعلى تأويل: وما على الذين يتقون من حسابهم شيء بترك الإعراض، ولكن إعراضهم ذكرى

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٣١٦) ↗

التحرير والتنوير

هذه الآية بأنها مما خوطب به النبيء صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، كقوله تعالى: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65] قال أبو بكر بن العربي إذا عذرنا أصحابنا في قولهم ذلك في لئن أشركت ليحبطن عملك لاستحالة الشرك عليه فلا عذر لهم في هذه الآية لجواز النسيان عليه. والقوم الظالمون هم الذين يخوضون في آيات الله، فهذا من الإظهار في مقام الإضمار لزيادة فائدة وصفهم بالظلم، فيعلم أن خوضهم في آيات الله ظلم، فيعلم أنه خوض إنكار للحق ومكابرة للمشاهدة. [69] 69] وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) لما كان الإعراض عن مجالس الذين يخوضون بالطعن في الآيات قد لا يحول دون بلوغ أقوالهم في ذلك إلى أسماع المؤمنين من غير قصد أتبع الله النهي السابق بالعفو عما تتلقفه أسماع المؤمنين من ذلك عفوا، فتكون الآية عذرا لما يطرق أسماع المؤمنين من غير قعودهم مع الطاعنين. والمراد ب الذين يتقون المؤمنون، والنبيء صلى الله عليه وسلم هو أول المتقين، فالموصول كتعريف الجنس فيكون شاملا لجميع المسلمين كما كان قوله فأعرض عنهم [الأنعام: 68] حكمه شاملا لبقية المسلمين بحكم التبع. وقال جمع من المفسرين: كانت آية وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم [الأنعام: 68] خاصة بالنبيء صلى الله عليه وسلم وجاء قوله تعالى: وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء رخصة لغير النبيء من المسلمين في الحضور في تلك المجالس لأن المشركين كان يغضبهم قيام النبيء من مجالسهم. ونسب هذا إلى ابن عباس، والسدي، وابن جبير، فيكون عموم الموصول في قوله: الذين يتقون مخصوصا بما اقتضته الآية التي قبلها. وروى البغوي عن ابن عباس قال: لما نزلت وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم [الأنعام: 68] قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٩٢) ↗