سورة الأنعام · الآية ٥٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم المقترحين عليه الآيات، أو القائلين له: إنما تدعونا لنتخذك إلها مع الله: { لا أقول لكم عندي خزآئن الله } أي: مفاتيح رزقه ورحمته. { ولا أعلم الغيب } وإنما ذلك كله عند الله فهو الذي ما يفتح للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو وحده عالم الغيب والشهادة. فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. { ولا أقول لكم إني ملك } فأكون نافذ التصرف قويا، فلست أدعي فوق منزلتي التي أنزلني الله بها. { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي: هذا غايتي ومنتهى أمري وأعلاه، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، فأعمل به في نفسي، وأدعو الخلق كلهم إلى ذلك. فإذا عرفت منزلتي، فلأي شيء يبحث الباحث معي، أو يطلب مني أمرا لست أدعيه، وهل يلزم الإنسان بغير ما هو بصدده؟. ولأي شيء إذا دعوتكم، بما أوحي إلي أن تلزموني أني أدعي لنفسي غير مرتبتي، وهل هذا، إلا ظلم منكم وعناد وتمرد؟ قل لهم في بيان الفرق بين من قبل دعوتي وانقاد لما أوحي إلي، وبين من لم يكن كذلك { قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون } فتنزلون الأشياء منازلها، وتختارون ما هو أولى بالاختيار والإيثار؟
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٥٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
البشر، يوحي إلي من الله، عز وجل، شرفني بذلك، وأنعم علي به؛ ولهذا قال: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه. {قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه ولم ينقد له؟ {أفلا تتفكرون} وهذه (1) كقوله (2) تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} [الرعد: 19] . وقوله: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد {الذين هم من خشية ربهم مشفقون} [المؤمنون: 57] والذين {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21] . {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي: يوم القيامة. {ليس لهم} أي: يومئذ {من دونه ولي ولا شفيع} أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم، {لعلهم يتقون} أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله، عز وجل {لعلهم يتقون} فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه. وقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفة عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كما قال: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] . وقوله {يدعون ربهم} أي: يعبدونه ويسألونه {بالغداة والعشي} قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن، وقتادة: المراد بذلك الصلوات المكتوبات. وهذا كقوله [تعالى] (3) {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] أي: أتقبل منكم. وقوله: {يريدون وجهه} أي: يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات. وقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} كما قال نوح، عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء، فتكذبوني فيم أقول من ذلك لأنه لا ينبغي أن يكون ربا إلا من له ملك كل شيء وبيده كل شيء ومن لا يخفى عليه خافية، وذلك هو الله الذي لا إله غيره. {ولا أقول لكم إني ملك} [الأنعام: 50] لأنه لا ينبغي لملك أن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٥٥) ↗التحرير والتنوير
و (من) الأظهر أنها موصولة كما يرجحه عطف والذين كذبوا عليه. ويجوز أن تكون شرطية لا سيما وهي في معنى التفصيل لقوله: مبشرين ومنذرين. فإن كانت شرطية فاقتران فلا خوف بالفاء بين، وإن جعلت موصولة فالفاء لمعاملة الموصول معاملة الشرط، والاستعمالات متقاربان. ومعنى أصلح فعل الصلاح، وهو الطاعة لله فيما أمر ونهى، لأن الله ما أراد بشرعه إلا إصلاح الناس كما حكى عن شعيب إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت [هود: 88] . والمس حقيقته مباشرة الجسم باليد وهو مرادف اللمس والجس، ويستعار لإصابة جسم جسما آخر كما في هذه الآية. وقد تقدم في قوله تعالى: ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم في سورة المائدة [73] . ويستعار أيضا للتكيف بالأحوال كما يقال: به مس من الجنون. قال تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: 201] . وجمع الضمائر العائدة إلى (من) مراعاة لمعناها، وأما إفراد فعل آمن وأصلح فلرعي لفظها. والباء للسببية، و (ما) مصدرية، أي بسبب فسقهم. والفسق حقيقته الخروج عن حد الخير. وشاع استعماله في القرآن في معنى الكفر وتجاوز حدود الله تعالى. وتقدم تفصيله عند قوله تعالى: وما يضل به إلا الفاسقين في سورة البقرة [26] . وجيء بخبر (كان) جملة مضارعية للإشارة إلى أن فسقهم كان متجددا متكررا، على أن الإتيان ب (كان) أيضا للدلالة على الاستمرار لأن (كان) إذا لم يقصد بها انقضاء خبرها فيما مضى دلت على استمرار الخبر بالقرينة، كقوله تعالى: وكان الله غفورا رحيما [النساء: 96] . [50] 50] قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٣٩) ↗