سورة الأنعام · الآية ٤٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى زبدة ما أرسل به المرسلين، أنه البشارة والنذارة، وذلك مستلزم لبيان المبشر والمبشر به، والأعمال التي إذا عملها العبد حصلت له البشارة. والمنذر والمنذر به، والأعمال التي من عملها حقت عليه النذارة. ولكن الناس انقسموا - بحسب إجابتهم لدعوتهم وعدمها - إلى قسمين: { فمن ءامن وأصلح } أي: آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأصلح إيمانه وأعماله ونيته { فلا خوف عليهم } فيما يستقبل { ولا هم يحزنون } على ما مضى. { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب } أي: ينالهم ويذوقونه { بما كانوا يفسقون }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٤٨–٤٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السدي: يصدون. وقوله: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} أي: وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم. {أو جهرة} أي: ظاهرا عيانا {هل يهلك إلا القوم الظالمون} أي: إنما: كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله [عز وجل] (1) وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. كما قال تعالى {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [أولئك لهم الأمن وهم مهتدون] (2) } [الأنعام: 82] .. وقوله: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} أي: مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات. ولهذا قال [سبحانه وتعالى] (3) {فمن آمن وأصلح} أي: فمن آمن قلبه بما جاءوا به وأصلح (4) عمله باتباعه إياهم، {فلا خوف عليهم} أي: بالنسبة إلى ما يستقبلونه {ولا هم يحزنون} أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خلفوه، وحافظهم فيما تركوه. ثم قال: {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون} أي: ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا محارمه (5) ومناهيه (6) وانتهاك حرماته. يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} أي: لست أملكها ولا أتصرف (1) فيها، {ولا أعلم الغيب} أي: ولا أقول: إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله، عز وجل، لا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، {ولا أقول لكم إني ملك} أي: ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٥٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أمرنا، عقوبتنا إياه على معصيتنا يوم القيامة، جزاء منا على معصيتنا، لنعذر إليه، فيهلك إن هلك عن بينة. {فمن آمن وأصلح} [الأنعام: 48] يقول: فمن صدق من أرسلنا إليه من رسلنا إنذارهم إياه، وقبل منهم ما جاءوه به من عند الله وعمل صالحا في الدنيا، {فلا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٥٤) ↗التحرير والتنوير
وهذا يتضمن وعدا من الله تعالى بأنه منجي المؤمنين، ولذلك أذن رسوله بالهجرة من مكة مع المؤمنين لئلا يحل عليهم العذاب تكرمة لهم كما أكرم لوطا وأهله، وكما أكرم نوحا ومن آمن معه، كما أشار إليه قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] ثم قوله: وما لهم ألا يعذبهم الله [الأنفال: 34] . [48، 49] وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) عطف على جملة انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون [الأنعام: 46] . والمناسبة أن صدوفهم وإعراضهم كانوا يتعللون له بأنهم يرومون آيات على وفق مقترحهم وأنهم لا يقنعون بآيات الوحدانية، ألا ترى إلى قولهم: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [الإسراء: 90] إلى آخر ما حكي عنهم في تلك الآية، فأنبأهم الله بأن إرسال الرسل للتبليغ والتبشير والنذارة لا للتلهي بهم باقتراح الآيات. وعبر ب نرسل دون أرسلنا للدلالة على تجدد الإرسال مقارنا لهذين الحالين، أي ما أرسلنا وما نرسل، فقوله: مبشرين ومنذرين حالان مقدرتان باعتبار المستقبل ومحققتان باعتبار الماضي. والاستثناء من أحوال محذوفة، أي ما أرسلناهم إلا في حالة كونهم مبشرين ومنذرين. والقصر إضافي للرد على من زعموا أنه إن لم يأتهم بآية كما اقترحوا فليس برسول من عند الله، فهو قصر قلب، أي لم نرسل الرسول للإعجاب بإظهار خوارق العادات. وكنى بالتبشير والإنذار عن التبليغ لأن التبليغ يستلزم الأمرين وهما الترغيب والترهيب، فحصل بهذه الكناية إيجاز إذ استغنى بذكر اللازم عن الجمع بينه وبين الملزوم. والفاء في قوله: فمن آمن للتفريع، أي فمن آمن من المرسل إليهم فلا خوف إلخ.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٣٨) ↗