سورة الأنعام · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، أما حقيقة الدنيا فإنها لعب ولهو، لعب في الأبدان، ولهو في القلوب، فالقلوب لها والهة، والنفوس لها عاشقة، والهموم فيها متعلقة، والاشتغال بها كلعب الصبيان. وأما الآخرة فإنها { خير للذين يتقون } في ذاتها وصفاتها، وبقائها ودوامها، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من نعيم القلوب والأرواح، وكثرة السرور والأفراح، ولكنها ليست لكل أحد، وإنما هي للمتقين الذين يفعلون أوامر الله، ويتركون نواهيه وزواجره { أفلا تعقلون } أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تدركون، أي: الدارين أحق بالإيثار.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٣٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وجهك ونتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، طالما (1) ركبتني في الدنيا، هلم أركبك، فهو قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم [ألا ساء ما يزرون] } (2) (3) وقال أسباط: عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الرائحة (4) عليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحا (5) قال: ما أنتن (6) ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنا (7) ! قال: ما أدنس ثيابك، قال: فيقول: إن عملك كان دنسا. قال له: من أنت؟ قال: أنا عملك! قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} أي: إنما غالبها كذلك {وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} أي: قد أحطنا علما بتكذيب قومك لك، وحزنك وتأسفك عليهم، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] كما قال تعالى في الآية الأخرى: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف: 7] وقوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: لا يتهمونك بالكذب في
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٥٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قيلهم ذلك: {ما الحياة الدنيا} [آل عمران: 185] أيها الناس، {إلا لعب ولهو} [الأنعام: 32] يقول: ما باغي لذات الحياة التي أدنيت لكم وقربت منكم في داركم هذه ونعيمها وسرورها فيها، والمتلذذ بها والمنافس عليها، إلا في لعب ولهو لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذ فيها بملاذها، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها فتمر عليه وتكدر كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه، ثم يعقبه منه ندما ويورثه منه ترحا. يقول: لا تغتروا أيها الناس بها، فإن المغتر بها عما قليل يندم. {وللدار الآخرة خير للذين يتقون} [الأنعام: 32] يقول: وللعمل بطاعته والاستعداد للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تبقى منافعها لأهلها ويدوم سرور أهلها فيها، خير من الدار التي تفنى فلا يبقى لعمالها فيها سرور، ولا يدوم لهم فيها نعيم. {للذين يتقون} [الأنعام: 32] يقول: للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه والمسارعة إلى رضاه. {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بالبعث حقيقة ما نخبرهم به من أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢١٨) ↗التحرير والتنوير
بحال من يحمل حملا ثقيلا. وذكر على ظهورهم هنا مبالغة في تمثيل الحالة، كقوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] . فذكر الأيدي لأن الكسب يكون باليد، فهو يشبه تخييل الاستعارة ولكنه لا يتأتى التخييل في التمثيلية لأن ما يذكر فيها صالح لاعتباره من جملة الهيئة، فإن الحمل على الظهر مؤذن بنهاية ثقل المحمول على الحامل. ومن لطائف التوجيه وضع لفظ الأوزار في هذا التمثيل فإنه مشترك بين الأحمال الثقيلة وبين الذنوب، وهم إنما وقعوا في هذه الشدة من جراء ذنوبهم فكأنهم يحملونها لأنهم يعانون شدة آلامها. وجملة: ألا ساء ما يزرون تذييل. و (ألا) حرف استفتاح يفيد التنبيه للعناية بالخبر. وساء ما يزرون إنشاء ذم. ويزرون بمعنى يحملون، أي ساء ما يمثل من حالهم بالحمل. وما يزرون فاعل ساء. والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: حملهم. [32] 32] وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (32) لما جرى ذكر الساعة وما يلحق المشركين فيها من الحسرة على ما فرطوا ناسب أن يذكر الناس بأن الحياة الدنيا زائلة وأن عليهم أن يستعدوا للحياة الآخرة. فيحتمل أن يكون جوابا لقول المشركين: إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين [الأنعام: 29] . فتكون الواو للحال، أي تقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا ولو نظرتم حق النظر لوجدتم الحياة الدنيا لعبا ولهوا وليس فيها شيء باق، فلعلمتم أن وراءها حياة أخرى فيها من الخيرات ما هو أعظم مما في الدنيا وإنما يناله المتقون، أي المؤمنون، فتكون الآية إعادة لدعوتهم إلى الإيمان والتقوى، ويكون الخطاب في قوله: أفلا تعقلون التفاتا من الحديث عنهم بالغيبة إلى خطابهم بالدعوة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٩٢) ↗