سورة الأنعام · الآية ٣١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قد خاب وخسر وحرم الخير كله، من كذب بلقاء الله، فأوجب له هذا التكذيب، الاجتراء على المحرمات، واقتراف الموبقات { حتى إذا جآءتهم الساعة } وهم على أقبح حال وأسوئه، فأظهروا غاية الندم. و { بغتة قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها } ولكن هذا تحسر ذهب وقته، { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما يزرون }. فإن وزرهم وزر يثقلهم ولا يقدرون على التخلص منه، ولهذا خلدوا في النار، واستحقوا التأبيد في غضب الجبار.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٣١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وجهك ونتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، طالما (1) ركبتني في الدنيا، هلم أركبك، فهو قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم [ألا ساء ما يزرون] } (2) (3) وقال أسباط: عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الرائحة (4) عليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحا (5) قال: ما أنتن (6) ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنا (7) ! قال: ما أدنس ثيابك، قال: فيقول: إن عملك كان دنسا. قال له: من أنت؟ قال: أنا عملك! قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} أي: إنما غالبها كذلك {وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} أي: قد أحطنا علما بتكذيب قومك لك، وحزنك وتأسفك عليهم، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] كما قال تعالى في الآية الأخرى: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف: 7] وقوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: لا يتهمونك بالكذب في
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٥٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالكفر {الذين كذبوا بلقاء الله} [الأنعام: 31] يعني: الذين أنكروا البعث بعد الممات والثواب والعقاب والجنة والنار من مشركي قريش ومن سلك سبيلهم في ذلك. {حتى إذا جاءتهم الساعة} [الأنعام: 31] يقول: حتى إذا جاءتهم الساعة التي يبعث الله فيها الموتى من قبورهم. وإنما أدخلت الألف واللام في (الساعة) ، لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها، وأنها مقصود بها قصد الساعة التي وصفت. ويعني بقوله: {بغتة} [الأنعام: 31] فجأة من غير علم من تفجؤه بوقت مفاجأتها إياه، يقال منه: بغته أبغته بغتة: إذا أخذته، كذلك {قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} [الأنعام: 31] يقول تعالى ذكره: وكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازلهم من أهل الجنة من النار، فإذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا وتبينوا خسارة صفقة بيعهم التي سلفت منهم في الدنيا تندما وتلهفا على عظيم الغبن الذي غبنوه أنفسهم، وجليل الخسران الذي لا خسران أجل منه: {يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} [الأنعام: 31] يقول: يا ندامتنا على ما ضيعنا فيها يعني في صفقتهم تلك.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢١٤) ↗التحرير والتنوير
لأنها أفراد مقدرة تظهر عند تكوينها إذ هي من جنس عام أم كان التعذر عادة كقول النابغة: بها كل ذيال وخنساء ترعوي ... إلى كل رجاف من الرمل فارد فإن العادة تحيل اجتماع جميع بقر الوحش في هذا الموضع. فيتعذر أن يرى القوم كل أفراد ما يصح أن يكون آية، فلذلك كان المراد ب كل معنى الكثرة الكثيرة، كما تقدم في قوله تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية في سورة البقرة [145] . وحتى حرف موضوع لإفادة الغاية، أي أن ما بعدها غاية لما قبلها. وأصل حتى أن يكون حرف جر مثل (إلى) فيقع بعده اسم مفرد مدلوله غاية لما قبل (حتى) . وقد يعدل عن ذلك ويقع بعد (حتى) جملة فتكون (حتى) ابتدائية، أي تؤذن بابتداء كلام مضمونه غاية لكلام قبل (حتى) . ولذلك قال ابن الحاجب في «الكافية» : إنها تفيد السببية، فليس المعنى أن استماعهم يمتد إلى وقت تجيئهم ولا أن جعل الأكنة على قلوبهم والوقر في آذانهم يمتد إلى وقت مجيئهم، بل المعنى أن يتسبب على استماعهم بدون فهم. وجعل الوقر على آذانهم والأكنة على قلوبهم أنهم إذا جاءوك جادلوك. وسميت حتى ابتدائية لأن ما بعدها في حكم كلام مستأنف استئنافا ابتدائيا. ويأتي قريب من هذا عند قوله: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة في هذه السورة [31] ، وزيادة تحقيق لمعنى (حتى) الابتدائية عند قوله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا- إلى قوله- حتى إذا جاءتهم رسلنا إلخ في سورة الأعراف [37] . وإذا شرطية ظرفية. وجاؤك شرطها، وهو العامل فيها. وجملة يجادلونك حال مقدرة من ضمير جاؤك أي جاءوك مجادلين، أي مقدرين المجادلة معك يظهرون لقومهم أنهم أكفاء لهذه المجادلة. وجملة يقول جواب إذا، وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: يقول الذين كفروا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٨١) ↗