سورة الأنعام · الآية ٢٧
﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مخبرا عن حال المشركين يوم القيامة، وإحضارهم النار: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ليوبخوا ويقرعوا، لرأيت أمرا هائلا وحالا مفظعة. ولرأيتهم كيف أقروا على أنفسهم بالكفر والفسوق، وتمنوا أن لو يردوا إلى الدنيا. { فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بآيت ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } فإنهم كانوا يخفون في أنفسهم أنهم كانوا كاذبين، ويبدو في قلوبهم في كثير من الأوقات. ولكن الأغراض الفاسدة صدتهم عن ذلك، وصرفت قلوبهم عن الخير، وهم كذبة في هذه الأمنية، وإنما قصدهم، أن يدفعوا بها عن أنفسهم العذاب. { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون }. { وقالوا } منكرين للبعث { إن هي إلا حياتنا الدنيا } أي: ما حقيقة الحال والأمر وما المقصود من إيجادنا، إلا الحياة الدنيا وحدها { وما نحن بمبعوثين }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٢٧–٢٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا (2) من النار؛ ولهذا قال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} أي: في تمنيهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان. ثم قال مخبرا عنهم: إنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه [من الكفر والمخالفة] (3) {وإنهم لكاذبون} أي: في قولهم: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} أي: لعادوا لما نهوا عنه، إنهم لكاذبون ولقالوا: {إن هي إلا حياتنا} أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا، ثم لا معاد بعدها؛ ولهذا قال: {وما نحن بمبعوثين} ثم قال {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي: أوقفوا بين يديه قال: {أليس هذا بالحق} أي: أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون؟ {قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي: بما (4) كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه (5) {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} [الطور: 15] يقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقاء الله وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعال (6) ولهذا قال: {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة [الدنيا] (7) وعلى الأعمال، وعلى الدار الآخرة، أي: في أمرها. وقوله {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} أي: يحملون. وقال قتادة: يعملون. [و] (8) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن أبي مرزوق قال: ويستقبل الكافر -أو: الفاجر - (9) -عند خروجه من قبره كأقبح صورة رآها وأنتن (10) ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أو ما تعرفني؟ فيقول: لا والله إلا أن الله [قد] (11) قبح
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٤٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وقفوا} [الأنعام: 27] يقول: إذ حبسوا، {على النار} [البقرة: 175] يعني: في النار، فوضعت (على) موضع (في) كما قال: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٠٦) ↗التحرير والتنوير
المقام. وكذلك النأي عنه معناه النأي عن استماعه، أي هم ينهون الناس عن استماعه ويتباعدون عن استماعه. قال النابغة: لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربعهم في كل أصفار يعني نهيتهم عن الرعي في ذي أقر، وهو حمى الملك النعمان بن الحارث الغساني. وبين قوله: ينهون- وينأون الجناس القريب من التمام. والقصر في قوله: وإن يهلكون إلا أنفسهم قصر إضافي يفيد قلب اعتقادهم لأنهم يظنون بالنهي والنأي عن القرآن أنهم يضرون النبيء صلى الله عليه وسلم لئلا يتبعوه ولا يتبعه الناس، وهم إنما يهلكون أنفسهم بدوامهم على الضلال وبتضليل الناس، فيحملون أوزارهم وأوزار الناس، وفي هذه الجملة تسلية للرسول- عليه الصلاة والسلام- وأن ما أرادوا به نكايته إنما يضرون به أنفسهم. وأصل الهلاك الموت. ويطلق على المضرة الشديدة لأن الشائع بين الناس أن الموت أشد الضر. فالمراد بالهلاك هنا ما يلقونه في الدنيا من القتل والمذلة عند نصر الإسلام وفي الآخرة من العذاب. والنأي: البعد. وهو قاصر لا يتعدى إلى مفعول إلا بحرف جر، وما ورد متعديا بنفسه فذلك على طريق الحذف والإيصال في الضرورة. وعقب قوله: وإن يهلكون إلا أنفسهم بقوله: وما يشعرون زيادة في تحقيق الخطأ في اعتقادهم، وإظهارا لضعف عقولهم مع أنهم كانوا يعدون أنفسهم قادة للناس، ولذلك فالوجه أن تكون الواو في قوله: وما يشعرون للعطف لا للحال ليفيد ذلك كون ما بعدها مقصودا به الإخبار المستقل لأن الناس يعدونهم أعظم عقلائهم. [27، 28] ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٨٣) ↗