البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ١٦٥

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ويعلن بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو الدين الحنيف المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين. وهذا عموم، ثم خصص من ذلك أشرف العبادات فقال: { قل إن صلاتي ونسكي } أي: ذبحي، وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال، لما هو أحب إليها وهو الله تعالى. ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله. وقوله: { ومحياي ومماتي } أي: ما آتيه في حياتي، وما يجريه الله علي، وما يقدر علي في مماتي الجميع { لله رب العالمين * لا شريك له } في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير، وليس هذا الإخلاص لله ابتداعا مني، وبدعا أتيته من تلقاء نفسي، بل { وبذلك أمرت } أمرا حتما، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله { وأنا أول المسلمين } من هذه الأمة. { قل أغير الله } من المخلوقين { أبغي ربا } أي: أيحسن ذلك ويليق بي، أن أتخذ غيره مربيا ومدبرا والله رب كل شيء، فالخلق كلهم داخلون تحت ربوبيته، منقادون لأمره؟!!. فتعين علي وعلى غيري، أن يتخذ الله ربا، ويرضى به، وألا يتعلق بأحد من المربوبين الفقراء العاجزين. ثم رغب ورهب بذكر الجزاء فقال: { ولا تكسب كل نفس } من خير وشر { إلا عليها } كما قال تعالى: من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها [فصلت: 46]. { ولا تزر وازرة وزر أخرى } بل كل عليه وزر نفسه، وإن كان أحد قد تسبب في ضلال غيره ووزره، فإن عليه وزر التسبب من غير أن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {ليبلوكم في ما آتاكم} أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وقد روى مسلم في صحيحه، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف (1) تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (2) . وقوله: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} ترهيب وترغيب، أن حسابه وعقابه سريع ممن (3) عصاه وخالف رسله {وإنه لغفور رحيم} لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خير وطلب. وقال محمد بن إسحاق: يرحم العباد على ما فيهم. رواه ابن أبي حاتم. وكثيرا ما يقرن تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كما قال [تعالى] (4) : وقوله: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر: 49، 50] ، [وقوله] (5) : {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد: 6] وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه. جعلنا الله ممن (6) أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء، جواد كريم وهاب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زهير، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (7) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد، خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون". ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

القرون والأمم الخالية، واستخلفكم فجعلكم خلائف منهم في الأرض، تخلفونهم فيها، وتعمرونها بعدهم. والخلائف: جمع خليفة، كما الوصائف جمع وصيفة، وهي من قول القائل: خلف فلان فلانا في داره يخلفه فهو خليفة فيها، كما قال الشماخ: [البحر الوافر] تصيبهم وتخطئني المنايا %~% وأخلف في ربوع عن ربوع

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٥٠) ↗

التحرير والتنوير

… صلى الله عليه وسلم وللمعاندين له. و (ثم) صالحة للاستئناف لأن الاستئناف ملائم للترتيب الرتبي، والكلام وعيد ووعد أيضا. ولا ينافي ذلك أن تكون مع التي قبلها آية واحدة. والتنبئة: الإخبار، والمراد بها إظهار آثار الإيمان والكفر واضحة يوم الحساب، فيعلموا أنهم كانوا ضالين، فشبه ذلك العلم بأن الله أخبرهم بذلك يومئذ وإلا فإن الله نبأهم بما اختلفوا فيه من زمن الحياة الدنيا، أو المراد ينبئكم مباشرة بدون واسطة الرسل إنباء لا يستطيع الكافر أن يقول: هذا كذب على الله، كما ورد في حديث الحشر: «فيسمعهم الداعي ليس بينهم وبين الله حجاب» . [165] وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) يظهر أن هذا دليل على إمكان البعث، وعلى وقوعه، لأن الذي جعل بعض الأجيال خلائف لما سبقها، فعمروا الأرض جيلا بعد جيل، لا يعجزه أن يحشرها جميعا بعد انقضاء عالم حياتها الأولى. ثم إن الذي دبر ذلك وأتقنه لا يليق به أن لا يقيم بينهم ميزان الجزاء على ما صنعوا في الحياة الأولى لئلا يذهب المعتدون والظالمون فائزين بما جنوا، وإذا كان يقيم ميزان الجزاء على الظالمين فكيف يترك إثابة المحسنين، وقد أشار إلى الشق الأول قوله: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، وأشار إلى الشق الثاني قوله: ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم. ولذلك أعقبه بتذييله: إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم. فالخطاب موجه إلى المشركين الذين أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم: أغير الله أبغي ربا [الأنعام: 164] وذلك يذكر بأنهم سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك. فموقع هذه عقب قوله: ثم إلى ربكم مرجعكم [الأنعام: 164] تذكير بالنعمة، بعد الإنذار بسلبها، وتحريض على تدارك ما فات، وهو يفتح أعينهم للنظر في عواقب الأمم وانقراضها وبقائها. ويجوز أن يكون الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والأمة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗