سورة الأنعام · الآية ١٥٧
﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
" ثم " في هذا الموضع، ليس المراد منها الترتيب الزماني، فإن زمن موسى عليه السلام متقدم على تلاوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب، وإنما المراد الترتيب الإخباري. فأخبر أنه آتى { موسى الكتاب } وهو التوراة { تماما } لنعمته، وكمالا لإحسانه. { على الذي أحسن } من أمة موسى، فإن الله أنعم على المحسنين منهم بنعم لا تحصى. من جملتها وتمامها إنزال التوراة عليهم. فتمت عليهم نعمة الله، ووجب عليهم القيام بشكرها. { وتفصيلا لكل شيء } يحتاجون إلى تفصيله، من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والعقائد ونحوها. { وهدى ورحمة } أي: يهديهم إلى الخير، ويعرفهم بالشر، في الأصول والفروع. { ورحمة } يحصل به لهم السعادة والرحمة والخير الكثير. { لعلهم } بسبب إنزالنا الكتاب والبينات عليهم { بلقآء ربهم يؤمنون } فإنه اشتمل من الأدلة القاطعة على البعث والجزاء بالأعمال، ما يوجب لهم الإيمان بلقاء ربهم والاستعداد له. { وهذا } القرآن العظيم، والذكر الحكيم. { كتب أنزلنه مبارك } أي: فيه الخير الكثير والعلم الغزير، وهو الذي تستمد منه سائر العلوم، وتستخرج منه البركات، فما من خير إلا وقد دعا إليه ورغب فيه، وذكر الحكم والمصالح التي تحث عليه، وما من شر، إلا وقد نهى عنه وحذر منه، وذكر الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة { فاتبعوه } فيما يأمر به وينهى، وابنوا أصول دينكم وفروعه عليه { واتقوا } الله تعالى أن تخالفوا له أمرا { لعلكم } إن اتبعتموه { ترحمون } فأكبر سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب علما وعملا. { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين } أي: أنزلنا إليكم هذا الكتاب المبارك قطعا لحجتكم، وخشية أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، أي: اليهود والنصارى. { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } أي: تقولون لم تنزل علينا كتابا، والكتب التي أنزلتها على الطائفتين ليس لنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن جرير: معناه: وهذا كتاب أنزلناه لئلا يقولوا: {إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} يعني: لينقطع عذرهم، كما قال تعالى: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا (1) ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك [ونكون من المؤمنين] } (2) [القصص:47] . وقوله: {على طائفتين من قبلنا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هم اليهود والنصارى وكذا قال مجاهد، والسدي، وقتادة، وغير واحد. وقوله: {وإن كنا عن دراستهم لغافلين} أي: وما كنا نفهم ما يقولون؛ لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن مع ذلك في شغل وغفلة عما هم فيه. وقوله: {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} أي: وقطعنا تعللكم أن تقولوا: لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم لكنا أهدى منهم فيما أوتوه، كقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم [فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا] (3) } [فاطر:42] ، وهكذا قال هاهنا: {فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة} يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي قرآن عظيم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله بعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه. وقوله: {فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} أي: لم ينتفع بما جاء به الرسول، ولا اتبع ما أرسل به، ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات الله، أي: صرف الناس وصدهم عن ذلك قاله السدي. وعن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: {وصدف عنها} أعرض عنها. وقول السدي هاهنا فيه قوة؛ لأنه قال: {فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} كما تقدم في أول السورة: {وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم} [الآية:26] ، وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل:88] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} وقد يكون المراد فيما (4) …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لئلا يقول المشركون من عبدة الأوثان من قريش: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، أو لئلا يقولوا: {لو أنا أنزل علينا الكتاب} [الأنعام: 157] كما أنزل على هاتين الطائفتين من قبلنا، فأمرنا فيه ونهينا، وبين لنا فيه خطأ ما نحن فيه من صوابه. {لكنا أهدى منهم} [الأنعام: 157] : أي لكنا أشد استقامة على طريق الحق واتباعا للكتاب، وأحسن عملا بما فيه من الطائفتين اللتين أنزل عليهما الكتاب من قبلنا. يقول الله: {فقد جاءكم بينة من ربكم} [الأنعام: 157] يقول: فقد جاءكم كتاب بلسانكم عربي مبين، حجة عليكم واضحة بينة من ربكم. {وهدى} [البقرة: 97] يقول: وبيان للحق، وفرقان بين الصواب والخطأ. {ورحمة} [البقرة: 157] لمن عمل به واتبعه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٩) ↗التحرير والتنوير
… الله إصلاحهم ببعثه موسى عليه السلام، ليرجعوا إلى ما كان عليه سلفهم الصالح من مراقبة الله تعالى وخشية لقائه، والرغبة في أن يلقوه وهو راض عنهم. وهذا تعريض بأهل مكة ومن إليهم من العرب، فكذلك كان سلفهم على هدى وصلاح، فدخل فيهم من أضلهم ولقنهم الشرك وإنكار البعث، فأرسل الله إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم ليردهم إلى الهدى ويؤمنوا بلقاء ربهم. وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر البعث والجزاء. وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) جملة: وهذا كتاب أنزلناه مبارك عطف على جملة: ثم آتينا موسى الكتاب [الأنعام: 154] . والمعنى: آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب كما تقدم عند قوله تعالى: ثم آتينا موسى الكتاب [الأنعام: 154] إلخ ... وافتتاح الجملة باسم الإشارة، وبناء الفعل عليه، وجعل الكتاب الذي حقه أن يكون مفعول: أنزلناه مبتدأ، كل ذلك للاهتمام بالكتاب والتنويه به، وقد تقدم نظيره: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه في هذه السورة [92] . وتفريع الأمر باتباعه على كونه منزلا من الله، وكونه مباركا، ظاهر: لأن ما كان كذلك لا يتردد أحد في اتباعه. والاتباع أطلق على العمل بما فيه على سبيل المجاز. وقد مضى الكلام فيه عند قوله تعالى: إن أتبع إلا ما يوحى إلي [الأنعام: 50] ، وقوله: اتبع ما أوحي إليك من ربك في هذه السورة والخطاب في قوله: فاتبعوه للمشركين، بقرينة قوله: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا. وجملة: أنزلناه في محل الصفة ل كتاب، و (مبارك) صفة ثانية، وهما المقصد من الإخبار، لأن كونه كتابا لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗