سورة الأنعام · الآية ١٥٣
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل } لهؤلاء الذين حرموا ما أحل الله: { تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } تحريما عاما شاملا لكل أحد، محتويا على سائر المحرمات، من المآكل والمشارب والأقوال والأفعال. { ألا تشركوا به شيئا } أي: لا قليلا ولا كثيرا. وحقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية، وإذا ترك العبد الشرك كله صار موحدا، مخلصا لله في جميع أحواله، فهذا حق الله على عباده، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم بدأ بآكد الحقوق بعد حقه فقال: { وبالوالدين إحسانا } من الأقوال الكريمة الحسنة، والأفعال الجميلة المستحسنة، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق. { ولا تقتلوا أولادكم } من ذكور وإناث { من إملاق } أي: بسبب الفقر وضيقكم من رزقهم، كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية الظالمة، وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال وهم أولادهم، فنهيهم عن قتلهم لغير موجب، أو قتل أولاد غيرهم من باب أولى وأحرى. { نحن نرزقكم وإياهم } أي: قد تكفلنا برزق الجميع، فلستم الذين ترزقون أولادكم، بل ولا أنفسكم، فليس عليكم منهم ضيق. { ولا تقربوا الفواحش } وهي: الذنوب العظام المستفحشة، { ما ظهر منها وما بطن } أي: لا تقربوا الظاهر منها والخفي، أو المتعلق منها بالظاهر، والمتعلق بالقلب والباطن. والنهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها. { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } وهي: النفس المسلمة، من ذكر وأنثى، صغير وكبير، بر وفاجر، والكافرة التي قد عصمت بالعهد والميثاق. { إلا بالحق } كالزاني المحصن، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. { ذلكم } المذكور { وصاكم به لعلكم تعقلون } عن الله وصيته، ثم تحفظونها، ثم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حديث ابن وهب -أربعتهم عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، به. وكذا رواه ابن جرير، عن المثنى، عن الحماني، عن حماد بن زيد، به. ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، به كذلك. وقال: صحيح ولم يخرجاه (1) . وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم، من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر ابن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود. به مرفوعا (2) . وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، به. فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عند عاصم بن أبي النجود، عن زر، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما عن ابن مسعود، به، والله أعلم. قال الحاكم: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر، من وجه غير معتمد (3) . يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد، وعبد بن حميد جميعا -واللفظ لأحمد: حدثنا عبد الله بن محمد -وهو أبو بكر بن أبي شيبة -أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فخط خطا هكذا أمامه، فقال: "هذا سبيل الله". وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، وقال: "هذه سبيل (4) الشيطان". ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} ورواه ابن ماجه في كتاب السنة من سننه، والبزار عن أبي سعيد بن عبد الله بن سعيد، عن أبي خالد الأحمر، به (5) . قلت: ورواه الحافظ ابن مردويه من طريقين، عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وخط عن يمينه خطا، وخط عن يساره خطا، ووضع يده على الخط الأوسط (6) وتلا هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} (7) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣٦٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
صراطه، يعني طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده. {مستقيما} [النساء: 68] يعني: قويما لا اعوجاج به عن الحق. {فاتبعوه} [الأنعام: 153] يقول: فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجا تسلكونه فاتبعوه. {ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: 153] يقول: ولا تسلكوا طريقا سواه، ولا تركبوا منهجا غيره، ولا تبغوا دينا خلافه من اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان وغير ذلك من الملل، فإنها بدع وضلالات. {فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] يقول: فيشتت بكم إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق ولا أديان، اتباعكم عن سبيله، يعني: عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه، وهو الإسلام الذي وصى به الأنبياء وأمر به الأمم قبلكم. {ذلكم وصاكم به} [الأنعام: 151] يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصاكم به ربكم من قوله لكم: إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل، وصاكم به لعلكم تتقون يقول: لتتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٦٦٩) ↗التحرير والتنوير
… مستعار للعمل الموصل إلى رضى الله تعالى. وإضافته إلى الرب لتعظيم شأن المضاف، فيعلم أنه خير صراط. وإضافة الرب إلى ضمير الرسول تشريف للمضاف إليه، وترضية للرسول صلى الله عليه وسلم بما في هذا السنن من بقاء بعض الناس غير متبعين دينه. والمستقيم حقيقته السالم من العوج، وهو مستعار للصواب لسلامته من الخطأ، أي سنن الله الموافق للحكمة والذي لا يتخلف ولا يعطله شيء. ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الحس وهو القرآن، لأنه مسموع كقوله: وهذا كتاب أنزلناه مبارك [الأنعام: 92] ، فيكون الصراط المستقيم مستعارا لما يبلغ إلى المقصود النافع، كقوله: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] . ومستقيما حال من «صراط» مؤكدة لمعنى إضافته إلى الله. وجملة: قد فصلنا الآيات استئناف وفذلكة لما تقدم. والمراد بالآيات آيات القرآن. ومن رشاقة لفظ الآيات هنا أن فيه تورية بآيات الطريق التي يهتدي بها السائر. واللام في: لقوم يذكرون للعلة، أي فصلنا الآيات لأجلهم لأنهم الذين ينتفعون بتفصيلها. والمراد بالقوم المسلمون، لأنهم الذين أفادتهم الآيات وتذكروا بها. [127] 127] لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) الضمير في: لهم دار السلام عائد إلى لقوم يذكرون [الأنعام: 126] . والجملة إما مستأنفة استئنافا بيانيا: لأن الثناء عليهم بأنهم فصلت لهم الآيات ويتذكرون بها يثير سؤال من يسأل عن أثر تبيين الآيات لهم وتذكرهم بها، فقيل: لهم دار السلام. وإما صفة: لقوم يذكرون [الأنعام: 126] . وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص للقوم الذين يذكرون لا لغيرهم. والدار: مكان الحلول والإقامة، ترادف أو تقارب المحل من الحلول، وهو مؤنث تقديرا فيصغر على دويرة. والدار مشتقة من فعل دار يدور لكثرة دوران أهلها، ويقال لها: دارة، ولكن المشهور في الدارة أنها الأرض الواسعة بين جبال. والسلام: الأمان، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗