سورة الأنعام · الآية ١١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى عباده المؤمنين بمقتضى الإيمان، وأنهم، إن كانوا مؤمنين، فليأكلوا مما ذكر اسم الله عليه من بهيمة الأنعام، وغيرها من الحيوانات المحللة، ويعتقدوا حلها، ولا يفعلوا كما تفعله أهل الجاهلية، من تحريم كثير من الحلال، ابتداعا من عند أنفسهم، وإضلالا من شياطينهم، فذكر الله أن علامة المؤمن مخالفة أهل الجاهلية، في هذه العادة الذميمة، المتضمنة لتغيير شرع الله، وأنه أي شيء يمنعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل الله لعباده ما حرم عليهم، وبينه ووضحه؟ فلم يبق فيه إشكال ولا شبهة توجب أن يمتنع من أكل بعض الحلال، خوفا من الوقوع في الحرام، ودلت الآية الكريمة على أن الأصل في الأشياء والأطعمة، الإباحة، وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها، فإنه باق على الإباحة، فما سكت الله عنه فهو حلال، لأن الحرام قد فصله الله فما لم يفصله الله، فليس بحرام. ومع ذلك، فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة، كما قال تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير إلى أن قال: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم [المائدة: 3]. ثم حذر عن كثير من الناس، فقال: { وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم } أي: بمجرد ما تهوى أنفسهم { بغير علم } ولا حجة. فليحذر العبد من أمثال هؤلاء، وعلامتهم - كما وصفهم الله لعباده - أن دعوتهم غير مبنية على برهان، ولا لهم حجة شرعية، وإنما يوجد لهم شبه، بحسب أهوائهم الفاسدة، وآرائهم القاصرة، فهؤلاء معتدون على شرع الله وعلى عباد الله، والله لا يحب المعتدين، بخلاف الهادين المهتدين، فإنهم يدعون إلى الحق والهدى، ويؤيدون دعوتهم بالحجج العقلية والنقلية، ولا يتبعون في دعوتهم إلا رضا ربهم والقرب منه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ١١٨–١١٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذا (1) إباحة من الله [تعالى] (2) لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه: أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار (3) المشركين من أكل (4) الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها. ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم} أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه. وقرأ بعضهم: {فصل} بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح. {إلا ما اضطررتم إليه} أي: إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم. ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى: فقال {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم. {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) } قال مجاهد: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} معصيته في السر والعلانية -وفي رواية عنه [قال] (5) هو ما ينوي مما هو عامل. وقال: قتادة: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} أي: قليله وكثيره، سره وعلانيته (6) وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه: [الزنا] (7) مع الخليلة والصدائق والأخدان. وقال عكرمة: ظاهره: نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا] (8) } الآية [الأعراف: 33] ؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} أي: سواء كان ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣٢٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ما ذبحه المؤمنون بي من أهل دينكم دين الحق، أو ذبحه من دان بتوحيدي من أهل الكتاب، دون ما ذبحه أهل الأوثان ومن لا كتاب له من المجوس. {إن كنتم بآياته مؤمنين} [الأنعام: 118] يقول: إن كنتم بحجج الله التي أتتكم، وإعلامه بإحلال ما أحللت لكم، وتحريم ما حرمت عليكم من المطاعم والمآكل مصدقين، ودعوا عنكم زخرف ما توحيه الشياطين بعضها إلى بعض من زخرف القول لكم، وتلبيس دينكم عليكم غرورا. وكان عطاء يقول في ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥١١) ↗التحرير والتنوير
… قوله تعالى عقب هذا: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام: 121] . وقد روى الطبري عن ابن عباس، وعكرمة: أن المشركين قالوا: «يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها (يريدون أكل الشاة إذا ماتت حتف أنفها دون ذبح) - قال- الله قتلها- فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام» فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك شيء وفي «سنن الترمذي» ، عن ابن عباس قال: «أتى أناس النبيء صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله» فأنزل الله: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه [الأنعام: 118] الآية. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. فمن هذا ونحوه حذر الله المسلمين من هؤلاء، وثبتهم على أنهم على الحق، وإن كانوا قليلا. كما تقدم في قوله: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث [المائدة: 100] . والطاعة: اسم للطوع الذي هو مصدر طاع يطوع، بمعنى انقاد وفعل ما يؤمر به عن رضى دون ممانعة، فالطاعة ضد الكره. ويقال: طاع وأطاع، وتستعمل مجازا في قبول القول، ومنه ما جاء في الحديث: «فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم» ، ومنه قوله تعالى: ولا شفيع يطاع [غافر: 18] أي يقبل قوله، وإلا فإن المشفوع إليه أرفع من الشفيع فليس المعنى أنه يمتثل إليه. والطاعة هنا مستعملة في هذا المعنى المجازي وهو قبول القول. وأكثر من في الأرض هم أكثر سكان الأرض. والأرض: يطلق على جميع الكرة الأرضية التي يعيش على وجهها الإنسان والحيوان والنبات، وهي الدنيا كلها. ويطلق الأرض على جزء من الكرة الأرضية معهود بين المخاطبين وهو إطلاق شائع كما في قوله تعالى: وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض [الإسراء: 104] يعني الأرض المقدسة، وقوله: أو ينفوا من الأرض [المائدة: 33] أي الأرض التي حاربوا الله فيها. والأظهر أن المراد في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗