سورة الأنعام · الآية ١٠٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى: أنه مع إحسانه لعباده وتعرفه إليهم بآياته البينات، وحججه الواضحات - أن المشركين به من قريش وغيرهم، جعلوا له شركاء يدعونهم ويعبدونهم من الجن والملائكة، الذين هم خلق من خلق الله، ليس فيهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، فجعلوها شركاء لمن له الخلق والأمر، وهو المنعم بسائر أصناف النعم، الدافع لجميع النقم، وكذلك " خرق المشركون " أي: ائتفكوا، وافتروا من تلقاء أنفسهم لله، بنين وبنات بغير علم منهم، ومن أظلم ممن قال على الله بلا علم، وافترى عليه أشنع النقص، الذي يجب تنزيه الله عنه؟!!. ولهذا نزه نفسه عما افتراه عليه المشركون، فقال: { سبحنه وتعلى عما يصفون } فإنه تعالى الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وآفة وعيب. { بديع السموت والأرض } أي: خالقهما، ومتقن صنعتهما، على غير مثال سبق، بأحسن خلق، ونظام وبهاء، لا تقترح عقول أولي الألباب مثله، وليس له في خلقهما مشارك. { أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة } أي: كيف يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد، الذي لا صاحبة له، أي: لا زوجة له، وهو الغني عن مخلوقاته، وكلها فقيرة إليه، مضطرة في جميع أحوالها إليه، والولد لا بد أن يكون من جنس والده، والله خالق كل شيء وليس شيء من المخلوقات مشابها لله بوجه من الوجوه. ولما ذكر عموم خلقه للأشياء، ذكر إحاطة علمه بها فقال: { وهو بكل شيء عليم } وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي إلى ثبوت علمه، وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر فإن في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته، كما قال تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] وكما قال تعالى: وهو الخلاق العليم [يس: 81] ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدر ما قدر. { الله ربكم } أي: المألوه المعبود، الذي يستحق نهاية الذل، ونهاية الحب، الرب الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وصرف عنهم صنوف النقم. { لا إله إلا هو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هو، وأنه لا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل {وهو على كل شيء وكيل} أي: حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار. وقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} فيه أقوال للأئمة من السلف: أحدها: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة (1) كما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب. [وفي رواية: على الله] (2) فإن الله يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق. ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة غير وجه (3) وقد خالفها ابن عباس، فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين. والمسألة تذكر في أول "سورة النجم" إن شاء الله [تعالى] (4) وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: هذا في الدنيا. قال: وذكر أبي، عن هشام بن عبيد الله أنه قال نحو ذلك. وقال آخرون: {لا تدركه الأبصار} أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة (5) وقال آخرون، من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، وقال تعالى عن الكافرين: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] . قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الأنعام: 103]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٤٥٩) ↗التحرير والتنوير
وجملة: فاعبدوه مفرعة على قوله: ربكم لا إله إلا هو وقد جعل الأمر بعبادته مفرعا على وصفه بالربوبية والوحدانية لأن الربوبية مقتضية استحقاق العبادة، والانفراد بالربوبية يقتضي تخصيصه بالعبادة، وقد فهم هذا التخصيص من التفريع. ووجه أمرهم بعبادته أن المشركين كانوا معرضين عن عبادة الله تعالى بحيث لا يتوجهون بأعمال البر في اعتقادهم إلا إلى الأصنام فهم يزورونها ويقربون إليها القرابين وينذرون لها النذور ويستعينون بها ويستنجدون بنصرتها، وما كانوا يذكرون الله إلا في موسم الحج، على أنهم قد خلطوه بالتقرب إلى الأصنام إذ جعلوا فوق الكعبة (هبل) ، وجعلوا فوق الصفا والمروة (إسافا ونائلة) . وكان كثير منهم يهل (لمناة) في منتهى الحج، فكانوا معرضين عن عبادة الله تعالى، فلذلك أمروا بها صريحا، وأمروا بالاقتصار عليها بطريق الإيماء بالتفريع. وجملة: وهو على كل شيء وكيل يجوز أن تكون معطوفة على الصفات المتقدمة فتكون جملة فاعبدوه معترضة، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة فاعبدوه بناء على جواز عطف الخبر على الإنشاء والعكس (وهو الحق) ، على وجه تكميل التعليل للأمر بعبادته دون غيره، بأنه متكفل بالأشياء كلها من الخلق والرزق والإنعام وكل ما يطلب المرء حفظه له، فالوجه عبادته ولا وجه لعبادة غيره، فإن اسم الوكيل جامع لمعنى الحفظ والرقابة، كما تقدم عند قوله تعالى: وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران [173] . [103] 103] لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) جملة ابتدائية لإفادة عظمته تعالى وسعة علمه، فلعظمته جل عن أن يحيط به شيء من أبصار المخلوقين، وذلك تعريض بانتفاء الإلهية عن الأصنام
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٤١٣) ↗