سورة الأنعام · الآية ١٠
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مسليا لرسوله، ومصبرا ومتهددا أعداءه ومتوعدا. { ولقد استهزىء برسل من قبلك } لما جاؤوا أممهم بالبينات كذبوهم واستهزأوا بهم وبما جاؤوا به. فأهلكهم الله بذلك الكفر والتكذيب، ووفى لهم من العذاب أكمل نصيب. { فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون } فاحذروا -أيها المكذبون- أن تستمروا على تكذيبكم، فيصيبكم ما أصابهم. فإن شككتم في ذلك أو ارتبتم، فسيروا في الأرض ثم انظروا، كيف كان عاقبة المكذبين، فلن تجدوا إلا قوما مهلكين، وأمما في المثلات تالفين، قد أوحشت منهم المنازل، وعدم من تلك الربوع كل متمتع بالسرور نازل، أبادهم الملك الجبار، وكان بناؤهم عبرة لأولي الأبصار. وهذا السير المأمور به سير القلوب والأبدان، الذي يتولد منه الاعتبار. وأما مجرد النظر من غير اعتبار، فإن ذلك لا يفيد شيئا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ١٠–١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} الآية [آل عمران: 164] . قال الضحاك، عن ابن عباس في [قوله: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} ] (1) الآية. يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون. وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم. وقوله: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} هذا تسلية لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. ثم قال: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله (2) وعاندوهم، من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنون. يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال النبي (3) صلى الله عليه وسلم "إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي" (4) وقوله: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده لميقات يوم معلوم [وهو يوم القيامة] (5) الذي لا ريب فيه ولا شك فيه عند عباده
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٤٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ما أنت لاق من هؤلاء المستهزئين بك المستخفين بحقك في وفي طاعتي، وامض لما أمرتك به من الدعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي فإنهم إن تمادوا في غيهم وأصروا على المقام على كفرهم، نسلك بهم سبيل أسلافهم من سائر الأمم غيرهم من تعجيل النقمة لهم وحلول المثلاث بهم، فقد استهزأت أمم من قبلك برسل أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك، وفعلوا مثل فعل قومك بك، {فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} . يعني بقوله: {فحاق} [الأنعام: 10] فنزل وأحاط بالذين هزئوا برسلهم و {ما كانوا به يستهزئون} [الشعراء: 6] يقول: العذاب الذي كانوا يهزأون به وينكرون أن يكون واقعا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٦٥) ↗التحرير والتنوير
فجملة وللبسنا عليهم ما يلبسون من تمام الدليل والحجة عليهم بعدم جدوى إرسال الملك. واللبس: خلط يعرض في الصفات والمعاني بحيث يعسر تمييز بعضها عن بعض. وقد تقدم عند قوله تعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل في سورة البقرة [] . وقد عدي هنا بحرف (على) لأن المراد لبس فيه غلبة لعقولهم. والمعنى: وللبسنا على عقولهم، فشكوا في كونه ملكا فكذبوه، إذ كان دأب عقولهم تطلب خوارق العادات استدلالا بها على الصدق، وترك إعمال النظر الذي يعرف به صدق الصادق. وما في قوله: ما يلبسون مصدرية مجردة عن الظرفية، والمعنى على التشبيه، أي وللبسنا عليهم لبسهم الذي وقع لهم حين قالوا: لولا أنزل عليه ملك، أي مثل لبسهم السابق الذي عرض لهم في صدق محمد عليه الصلاة والسلام. وفي الكلام احتباك لأن كلا اللبسين هو بتقدير الله تعالى، لأنه حرمهم التوفيق. فالتقدير: وللبسنا عليهم في شأن الملك فيلبسون على أنفسهم في شأنه كما لبسنا عليهم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم إذ يلبسون على أنفسهم في شأنه. وهذا الكلام كله منظور فيه إلى حمل اقتراحهم على ظاهر حاله من إرادتهم الاستدلال، فلذلك أجيبوا عن كلامهم إرخاء للعنان، وإلا فإنهم ما أرادوا بكلامهم إلا التعجيز والاستهزاء، ولذلك عقبه بقوله: ولقد استهزئ برسل من قبلك الآية. [10] 10] ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) عطف على جملة: وقالوا لولا أنزل عليه ملك لبيان تفننهم في المكابرة والعناد تصلبا في شركهم وإصرارا عليه، فلا يتركون وسيلة من وسائل التنفير من قبول دعوة الإسلام إلا توسلوا بها. ومناسبة عطف هذا الكلام على قوله: وقالوا لولا أنزل عليه ملك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٤٦) ↗