سورة المجادلة · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
نزلت هذه الآيات الكريمات في رجل من الأنصار اشتكته زوجته [إلى الله، وجادلته] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرمها على نفسه، بعد الصحبة الطويلة، والأولاد، وكان هو رجلا شيخا كبيرا، فشكت حالها وحاله إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكررت ذلك، وأبدت فيه وأعادت. فقال تعالى: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركمآ } أي: تخاطبكما فيما بينكما، { إن الله سميع } لجميع الأصوات، في جميع الأوقات، على تفنن الحاجات. { بصير } يبصر دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وهذا إخبار عن كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالأمور الدقيقة والجليلة، وفي ضمن ذلك الإشارة بأن الله [تعالى] سيزيل شكواها، ويرفع بلواها، ولهذا ذكر حكمها، وحكم غيرها على وجه العموم، فقال: { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم }. المظاهرة من الزوجة: أن يقول الرجل لزوجته: " أنت علي كظهر أمي " ، أو غيرها من محارمه، أو " أنت علي حرام " ، وكان المعتاد عندهم في هذا لفظ " الظهر " ولهذا سماه الله " ظهارا " فقال: { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم } أي: كيف يتكلمون بهذا الكلام الذي يعلم أنه لا حقيقة له، فيشبهون أزواجهم بأمهاتهم اللاتي ولدنهم؟ ولهذا عظم الله أمره وقبحه، فقال: { وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } أي: قولا شنيعا، { وزورا } أي: كذبا. { وإن الله لعفو غفور } عمن صدر منه بعض المخالفات، فتداركها بالتوبة النصوح. { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا } اختلف العلماء في معنى العود، فقيل: معناه العزم على جماع من ظاهر منها، وأنه بمجرد عزمه تجب عليه الكفارة المذكورة، ويدل على هذا أن الله تعالى ذكر في الكفارة أنها تكون قبل المسيس، وذلك إنما يكون بمجرد العزم، وقيل: معناه حقيقة الوطء، ويدل على ذلك أن الله قال: { ثم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا خويلة (1) ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه". قالت: فوالله ما برحت حتى نزل في القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: "يا خويلة (2) قد أنزل الله فيك وفي صاحبك". ثم قرأ علي: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} إلى قوله: {وللكافرين عذاب أليم} قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مريه فليعتق رقبة". قالت: فقلت يا رسول الله، ما عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متتابعين". قالت: فقلت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر". قالت: فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإنا سنعينه بعرق من تمر". قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بعرق آخر، قال: "فقد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا". قالت: ففعلت. ورواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين، عن محمد بن إسحاق بن يسار، به (3) وعنده: خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة. وقد تصغر فيقال: خويلة. ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب. والله أعلم. هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام، أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنت امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينا هي تخدمني من الليل إذ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
علينا كظهور أمهاتنا، وذلك كان طلاق الرجل امرأته في الجاهلية.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤٥٦) ↗التحرير والتنوير
والاشتكاء: مبالغة في الشكوى وهي ذكر ما آذاه، يقال: شكا وتشكى واشتكى وأكثرها مبالغة. اشتكى، والأكثر أن تكون الشكاية لقصد طلب إزالة الضر الذي يشتكي منه بحكم أو نصر أو إشارة بحيلة خلاص. وتعلق فعل التجادل بالكون في زوجها على نية مضاف معلوم من المقام في مثل هذا بكثرة: أي في شأن زوجها وقضيته كقوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] ، وقوله: ولا تخاطبني في الذين ظلموا [المؤمنون: 27] وهو من المسألة الملقبة في «أصول الفقه» بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان في نحو حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] . والتحاور تفاعل من حار إذا أجاب. فالتحاور حصول الجواب من جانبين، فاقتضت مراجعة بين شخصين. والسماع في قوله: والله يسمع تحاوركما مستعمل في معناه الحقيقي المناسب لصفات الله إذ لا صارف يصرف عن الحقيقة. وكون الله تعالى عالما بما جرى من المحاورة معلوم لا يراد من الإخبار به إفادة الحكم، فتعين صرف الخبر إلى إرادة الاعتناء بذلك التحاور والتنويه به وبعظيم منزلته لاشتماله على ترقب النبيء صلى الله عليه وسلم ما ينزله عليه من وحي، وترقب المرأة الرحمة، وإلا فإن المسلمين يعلمون أن الله عالم بتحاورهما. وجملة: والله يسمع تحاوركما في موضع الحال من ضمير تجادلك. وجيء بصيغة المضارع لاستحضار حالة مقارنة علم الله لتحاورهما زيادة في التنويه بشأن ذلك التحاور. وجملة الله سميع بصير تذييل لجملة والله يسمع تحاوركما أي: أن الله عالم بكل صوت وبكل مرئي. ومن ذلك محاورة المجادلة ووقوعها عند النبيء صلى الله عليه وسلم. وتكرير اسم الجلالة في موضع إضماره ثلاث مرات لتربية المهابة وإثارة تعظيم منته تعالى ودواعي شكره. [2] 2] الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٩) ↗