سورة المجادلة · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن شناعة حال المنافقين الذين يتولون الكافرين، من اليهود والنصارى وغيرهم ممن غضب الله عليهم، ونالوا من لعنة الله أوفى نصيب، وأنهم ليسوا من المؤمنين ولا من الكافرين، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143]. فليسوا مؤمنين ظاهرا وباطنا لأن باطنهم مع الكفار، ولا مع الكفار ظاهرا وباطنا، لأن ظاهرهم مع المؤمنين، وهذا وصفهم الذي نعتهم الله به، والحال أنهم يحلفون على ضده الذي هو الكذب، فيحلفون أنهم مؤمنون، وهم يعلمون أنهم ليسوا مؤمنين، فجزاء هؤلاء الخونة الفجرة الكذبة، أن الله أعد لهم عذابا شديدا، لا يقادر قدره، ولا يعلم وصفه، إنهم ساء ما كانوا يعملون، حيث عملوا بما يسخط الله ويوجب عليهم العقوبة واللعنة. { اتخذوا أيمانهم جنة } أي: ترسا ووقاية، يتقون بها من لوم الله ورسوله والمؤمنين، فبسبب ذلك صدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهي الصراط الذي من سلكه أفضى به إلى جنات النعيم. ومن صد عنه فليس إلا الصراط الموصل إلى الجحيم، { فلهم عذاب مهين } حيث استكبروا عن الإيمان بالله والانقياد لآياته، أهانهم بالعذاب السرمدي، الذي لا يفتر عنهم ساعة ولا هم ينظرون. { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } فلا تدفع عنهم شيئا من العذاب، ولا تحصل لهم قسطا من الثواب، { أولئك أصحاب النار } الملازمون لها، الذين لا يخرجون عنها، و { هم فيها خالدون } ومن عاش على شيء مات عليه، فكما أن المنافقين في الدنيا يموهون على المؤمنين، ويحلفون لهم أنهم مؤمنون، فإذا كان يوم القيامة وبعثهم الله جميعا، حلفوا لله كما حلفوا للمؤمنين، ويحسبون في حلفهم هذا أنهم على شيء، لأن كفرهم ونفاقهم وعقائدهم الباطلة، لم تزل ترسخ في أذهانهم شيئا فشيئا، حتى غرتهم وظنوا أنهم على شيء يعتد به، ويعلق عليه الثواب، وهم كاذبون في ذلك، ومن المعلوم أن الكذب لا يروج على عالم الغيب والشهادة، وهذا الذي جرى عليهم من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
اليهود، الذين كان المنافقون يمالئونهم ويوالونهم في الباطن. ثم قال: {ما هم منكم ولا منهم} أي: هؤلاء المنافقون، ليسوا في الحقيقة لا منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين تولوهم وهم اليهود. ثم قال: {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} يعني: المنافقين يحلفون على الكذب وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا، وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين، عياذا بالله منه (1) فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا جاءوا الرسول حلفوا بالله [له] (2) أنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به؛ لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه، وإن كان في نفس الأمر مطابقا؛ ولهذا شهد الله بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك. ثم قال: {أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين وغشهم؛ ولهذا قال تعالى {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض الناس {فلهم عذاب مهين} أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة. ثم قال: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي: لن يدفع ذلك عنهم بأسا (3) إذا جاءهم، {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم قال: {يوم يبعثهم الله جميعا} أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدا، {فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء} أي: يحلفون بالله (4) عز وجل، أنهم كانوا على الهدى والاستقامة، كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة؛ ولهذا قال: {ويحسبون أنهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بقوله: {يوم يبعثهم الله جميعا} [المجادلة: 6] من قبورهم أحياء كهيئاتهم قبل مماتهم، PageEndV22P491 فيحلفون له كما يحلفون لكم كاذبين مبطلين فيها.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤٩٠) ↗التحرير والتنوير
أن المشار إليه صار جديرا بما يرد بعد اسم الإشارة من أجل الأخبار التي أخبر بها عنه قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى: أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة [5] . [18] 18] يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) هذا متصل بقوله: ويحلفون على الكذب إلى قوله: اتخذوا أيمانهم جنة [المجادلة: 14- 16] وتقدم الكلام على نظير قوله: يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا [المجادلة: 6] . كما سبق آنفا في هذا السورة، أي اذكر يوم يبعثهم الله. وحلفهم لله في الآخرة إشارة إلى ما حكاه الله عنهم في قوله: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: 23] . والتشبيه في قوله: كما يحلفون لكم في صفة الحلف، وهي قولهم: إنهم غير مشركين، وفي كونه حلفا على الكذب، وهم يعلمون، ولذلك سماه تعالى فتنة في آية الأنعام [23] بقوله تعالى: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين. ومعنى ويحسبون أنهم على شيء يظنون يومئذ أن حلفهم يفيدهم تصديقهم عند الله فيحسبون أنهم حصلوا شيئا عظيما، أي نافعا. وعلى للاستعلاء المجازي وهو شدة التلبس بالوصف ونحوه كقوله: أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة [5] . وحذفت صفة شيء لظهور معناها من المقام، أي على شيء نافع، كقوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل [المائدة: 68] . وقول النبيء صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان «ليسوا بشيء» . وهذا يقتضي توغلهم في النفاق ومرونتهم عليه وأنه باق في أرواحهم بعد بعثهم لأن نفوسهم خرجت من عالم الدنيا متخلقة به، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثا في عالم التكليف. وحكمة إيجاد النفوس في الدنيا هي تزكيتها وتصفية
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٥٢) ↗