البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المجادلة · الآية ١٦

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن شناعة حال المنافقين الذين يتولون الكافرين، من اليهود والنصارى وغيرهم ممن غضب الله عليهم، ونالوا من لعنة الله أوفى نصيب، وأنهم ليسوا من المؤمنين ولا من الكافرين، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143]. فليسوا مؤمنين ظاهرا وباطنا لأن باطنهم مع الكفار، ولا مع الكفار ظاهرا وباطنا، لأن ظاهرهم مع المؤمنين، وهذا وصفهم الذي نعتهم الله به، والحال أنهم يحلفون على ضده الذي هو الكذب، فيحلفون أنهم مؤمنون، وهم يعلمون أنهم ليسوا مؤمنين، فجزاء هؤلاء الخونة الفجرة الكذبة، أن الله أعد لهم عذابا شديدا، لا يقادر قدره، ولا يعلم وصفه، إنهم ساء ما كانوا يعملون، حيث عملوا بما يسخط الله ويوجب عليهم العقوبة واللعنة. { اتخذوا أيمانهم جنة } أي: ترسا ووقاية، يتقون بها من لوم الله ورسوله والمؤمنين، فبسبب ذلك صدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهي الصراط الذي من سلكه أفضى به إلى جنات النعيم. ومن صد عنه فليس إلا الصراط الموصل إلى الجحيم، { فلهم عذاب مهين } حيث استكبروا عن الإيمان بالله والانقياد لآياته، أهانهم بالعذاب السرمدي، الذي لا يفتر عنهم ساعة ولا هم ينظرون. { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } فلا تدفع عنهم شيئا من العذاب، ولا تحصل لهم قسطا من الثواب، { أولئك أصحاب النار } الملازمون لها، الذين لا يخرجون عنها، و { هم فيها خالدون } ومن عاش على شيء مات عليه، فكما أن المنافقين في الدنيا يموهون على المؤمنين، ويحلفون لهم أنهم مؤمنون، فإذا كان يوم القيامة وبعثهم الله جميعا، حلفوا لله كما حلفوا للمؤمنين، ويحسبون في حلفهم هذا أنهم على شيء، لأن كفرهم ونفاقهم وعقائدهم الباطلة، لم تزل ترسخ في أذهانهم شيئا فشيئا، حتى غرتهم وظنوا أنهم على شيء يعتد به، ويعلق عليه الثواب، وهم كاذبون في ذلك، ومن المعلوم أن الكذب لا يروج على عالم الغيب والشهادة، وهذا الذي جرى عليهم من …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… فيما حلفوا، وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين، عياذا بالله منه (1) فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا جاءوا الرسول حلفوا بالله [له] (2) أنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به؛ لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه، وإن كان في نفس الأمر مطابقا؛ ولهذا شهد الله بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك. ثم قال: {أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين وغشهم؛ ولهذا قال تعالى {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض الناس {فلهم عذاب مهين} أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة. ثم قال: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي: لن يدفع ذلك عنهم بأسا (3) إذا جاءهم، {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم قال: {يوم يبعثهم الله جميعا} أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدا، {فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء} أي: يحلفون بالله (4) عز وجل، أنهم كانوا على الهدى والاستقامة، كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة؛ ولهذا قال: {ويحسبون أنهم على شيء} أي: حلفهم ذلك لربهم، عز وجل. ثم قال منكرا عليهم حسبانهم (5) {ألا إنهم هم الكاذبون} فأكد الخبر عنهم بالكذب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير، عن (6) سماك بن حرب، حدثني سعيد بن جبير؛ أن ابن عباس حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ظل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

بغشهم المسلمين. ونصحهم لأعدائهم من اليهود.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤٨٩) ↗

التحرير والتنوير

وهم يعلمون جملة في موضع الحال، وذلك أدخل في التعجيب لأنه أشنع من الحلف على الكذب لعدم التثبت في المحلوف عليه. وأشار هذا إلى ما كان يحلفه المنافقون للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين إذا كشف لهم بعض مكائدهم، ومن ذلك قول الله تعالى فيهم: ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم [التوبة: 56] ، وقوله: يحلفون بالله لكم ليرضوكم [التوبة: 62] وقوله: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر [التوبة: 74] . قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل (بنون فباء موحدة فمثناة فوقية) كان أحدهما وهو عبد الله بن نبتل يجالس النبيء صلى الله عليه وسلم، ويرفع أخباره إلى اليهود ويسب النبيء صلى الله عليه وسلم فإذا بلغ خبره أو أطلعه الله عليه جاء فاعتذر وأقسم إنه ما فعل. وجملة إنهم ساء ما كانوا يعملون تعليل لإعداد العذاب الشديد لهم، أي أنهم عملوا فيما مضى أعمالا سيئة متطاولة متكررة كما يؤذن به المضارع من قوله: يعملون. وبين (يعملون) ، و (يعلمون) الجناس المقلوب قلب بعض. اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين. جملة مستأنفة استئنافا بيانيا عن جملة ويحلفون على الكذب وهم يعلمون، لأن ذلك يثير سؤال سائل أن يقول ما ألجأهم إلى الحلف على الكذب، فأجيب بأن ذلك لقضاء مآربهم وزيادة مكرهم. ويجوز أن تجعل الجملة خبرا ثانيا لأن في قوله إنهم ساء ما كانوا يعملون [المجادلة: 15] وتكون داخلة في التعليل. والجنة: الوقاية والسترة، من جن، إذا استتر، أي وقاية من شعور المسلمين بهم ليتمكنوا من صد كثير ممن يريد الدخول في الإسلام عن الدخول فيه لأنهم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٤٩) ↗