سورة الحديد · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إن المصدقين والمصدقات } بالتشديد أي: الذين أكثروا من الصدقات الشرعية، والنفقات المرضية، { وأقرضوا الله قرضا حسنا } بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرا لهم عند ربهم، { يضاعف لهم } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، { ولهم أجر كريم } وهو ما أعده الله لهم في الجنة، مما لا تعلمه النفوس. { والذين آمنوا بالله ورسله } والإيمان عند أهل السنة: هو ما دل عليه الكتاب والسنة، هو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فيشمل ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، فالذين جمعوا بين هذه الأمور هم الصديقون أي: الذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين، ودون مرتبة الأنبياء. [وقوله:] { والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } كما ورد في الحديث الصحيح: " إن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله " ، وهذا يقتضي شدة علوهم ورفعتهم، وقربهم الله تعالى. { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق، المتصدقين، والصديقين، والشهداء، وأصحاب الجحيم، فالمتصدقون الذين كان جل عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع إليهم بغاية ما يمكنهم، خصوصا بالنفع بالمال في سبيل الله. والصديقون هم الذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، والشهداء هم الذين قاتلوا في سبيل الله [لإعلاء كلمة الله، وبذلوا أنفسهم وأموالهم] فقتلوا، وأصحاب الجحيم هم الكفار الذين كذبوا بآيات الله. وبقي قسم ذكرهم الله في سورة فاطر، وهم المقتصدون الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، إلا أنهم حصل منهم تقصير ببعض حقوق الله وحقوق عباده، فهؤلاء مآلهم الجنة، وإن حصل لهم عقوبة ببعض ما فعلوا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحديد ١٨–١٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة، {وأقرضوا الله قرضا حسنا} أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء وجه الله، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا؛ ولهذا قال: {يضاعف لهم} أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزداد على ذلك إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك {ولهم أجر كريم} أي: ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح ومآب {كريم} وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} هذا تمام لجملة، وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} هذه مفصولة {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} . وقال أبو الضحى: {أولئك هم الصديقون} ثم استأنف الكلام فقال: {والشهداء عند ربهم} وهكذا قال مسروق، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. وقال الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله في قوله: {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصدقين، والصديقين، والشهداء، كما قال [الله] (1) تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69] ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان. ولا شك أن الصديق أعلى مقاما من الشهيد، كما رواه الإمام مالك بن أنس، رحمه الله، في كتابه الموطإ، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك، به (2) وقال آخرون: بل المراد من قوله: {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} فأخبر عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربهم، أولئك هم الصديقون
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤١٢) ↗التحرير والتنوير
وأقرضوا الله قرضا حسنا من عطف المرادف في المعنى لما في المعطوف من تشبيه فعلهم بقرض لله تنويها بالصدقات. وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد على أنه من التصديق، أي الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم، أي آمنوا وامتثلوا أمره فأقرضوا الله قرضا حسنا. وقرأ الجمهور يضاعف لهم بألف بعد الضاد. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب يضعف بدون ألف وبتشديد العين. وعطف وأقرضوا وهو جملة على المصدقين وهو مفرد لأن المفرد في حكم الفعل حيث كانت اللام في معنى الموصول فقوة الكلام: إن الذين اصدقوا واللائي تصدقن وأقرضوا، على التغليب ولا فصل بأجنبي على أن الفصل لا يمنع إذا لم يفسد المعنى. ووجه العدول عن تماثل الصلتين فلم يقل: إن المصدقين والمقرضين، هو تصوير معنى كون التصدق إقراضا لله. وتقدم معنى يضاعف لهم ولهم أجر كريم في قوله: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له [الحديد: 11] الآية. [19] 19] والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون. لما ذكر فضل المتصدقين وكان من المؤمنين من لا مال له ليتصدق منه أعقب ذكر المتصدقين ببيان فضل المؤمنين مطلقا، وهو شامل لمن يستطيع أن يتصدق ومن لا يستطيع على نحو التذكير المتقدم آنفا في قوله: وكلا وعد الله الحسنى [النساء: 95] . وفي الحديث: «إن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ولا أموال لنا، فقال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن لكم في كل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة» .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٩٦) ↗