سورة الحديد · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إن المصدقين والمصدقات } بالتشديد أي: الذين أكثروا من الصدقات الشرعية، والنفقات المرضية، { وأقرضوا الله قرضا حسنا } بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرا لهم عند ربهم، { يضاعف لهم } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، { ولهم أجر كريم } وهو ما أعده الله لهم في الجنة، مما لا تعلمه النفوس. { والذين آمنوا بالله ورسله } والإيمان عند أهل السنة: هو ما دل عليه الكتاب والسنة، هو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فيشمل ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، فالذين جمعوا بين هذه الأمور هم الصديقون أي: الذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين، ودون مرتبة الأنبياء. [وقوله:] { والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } كما ورد في الحديث الصحيح: " إن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله " ، وهذا يقتضي شدة علوهم ورفعتهم، وقربهم الله تعالى. { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق، المتصدقين، والصديقين، والشهداء، وأصحاب الجحيم، فالمتصدقون الذين كان جل عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع إليهم بغاية ما يمكنهم، خصوصا بالنفع بالمال في سبيل الله. والصديقون هم الذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، والشهداء هم الذين قاتلوا في سبيل الله [لإعلاء كلمة الله، وبذلوا أنفسهم وأموالهم] فقتلوا، وأصحاب الجحيم هم الكفار الذين كذبوا بآيات الله. وبقي قسم ذكرهم الله في سورة فاطر، وهم المقتصدون الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، إلا أنهم حصل منهم تقصير ببعض حقوق الله وحقوق عباده، فهؤلاء مآلهم الجنة، وإن حصل لهم عقوبة ببعض ما فعلوا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحديد ١٨–١٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة، {وأقرضوا الله قرضا حسنا} أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء وجه الله، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا؛ ولهذا قال: {يضاعف لهم} أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزداد على ذلك إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك {ولهم أجر كريم} أي: ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح ومآب {كريم} وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} هذا تمام لجملة، وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} هذه مفصولة {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} . وقال أبو الضحى: {أولئك هم الصديقون} ثم استأنف الكلام فقال: {والشهداء عند ربهم} وهكذا قال مسروق، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. وقال الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله في قوله: {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصدقين، والصديقين، والشهداء، كما قال [الله] (1) تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69] ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان. ولا شك أن الصديق أعلى مقاما من الشهيد، كما رواه الإمام مالك بن أنس، رحمه الله، في كتابه الموطإ، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك، به (2) وقال آخرون: بل المراد من قوله: {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} فأخبر عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 164] يعني: بعد دثورها ودروسها، يقول: وكما نحيي هذه الأرض الميتة بعد دروسها، كذلك نهدي الإنسان الضال عن الحق إلى الحق، فنوفقه ونسدده للإيمان حتى يصير مؤمنا من بعد كفره، ومهتديا من بعد ضلالة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤١١) ↗التحرير والتنوير
المضاعفة فالعمل لحصول الإقراض كأنه عمل لحصول المضاعفة. أو على اعتبار مبتدأ محذوف لتكون الجملة اسمية في التقدير فيقع الخبر الفعلي بعد المبتدأ مفيدا تقوية الخبر وتأكيد حصوله، واعتبار هذه الجملة جوابا، ل (من) الموصولة بإشراب الموصول معنى الشرط وهو إشراب كثير في القرآن. وقرأه حفص عن عاصم وابن عامر ويعقوب- كل على قراءته- بالنصب على جواب الاستفهام. ومعنى وله أجر كريم: أن له أنفس جنس الأجور لأن الكريم في كل شيء هو النفيس، كما تقدم في قوله تعالى: إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل [29] . وجعل الأجر الكريم مقابل القرض الحسن فقوبل بهذا موصوف وصفته بمثلهما. والمضاعفة: مماثلة المقدار، فالمعنى: يعطيه مثلي قرضه. والمراد هنا مضاعفته أضعافا كثيرة كما قال: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل الآية في سورة البقرة [261] . وقال: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة [البقرة: 245] . وضمير النصب في فيضاعفه عائد إلى القرض الحسن، والكلام على حذف مضاف تقديره: فيضاعف جزاءه له. لأن القرض هنا تمثيل بحال السلف المتعارف بين الناس فيكون تضعيفه مثل تضعيف مال السلف وذلك قبل تحريم الربا. والأجر: ما زاد على قضاء القرض من عطية يسديها المستسلف إلى من سلفه عند ما يجد سعة، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم أحسنكم قضاء» ، وقال تعالى: وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [النساء: 40] . والظاهر أن هذا الأجر هو المغفرة كما في قوله تعالى: إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم في سورة التغابن [17] . وهذا يشمل الإنفاق في الصدقات قال تعالى: إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم [الحديد: 18] ،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٧٨) ↗