سورة الواقعة · الآية ٨١
﴿أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أقسم تعالى بالنجوم ومواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في تلك الأوقات، من الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده، ثم عظم هذا المقسم به، فقال: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وإنما كان القسم عظيما، لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا يمكن حصرها، وأما المقسم عليه، فهو إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي: كثير الخير، غزير العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد من كتاب الله ويستنبط منه، { في كتاب مكنون } أي: مستور عن أعين الخلق، وهذا الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ أي: إن هذا القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، معظم عند الله وعند ملائكته في الملأ الأعلى. ويحتمل أن المراد بالكتاب المكنون، هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله بوحيه وتنزيله، وأن المراد بذلك أنه مستور عن الشياطين، لا قدرة لهم على تغييره، ولا الزيادة والنقص منه واستراقه، { لا يمسه إلا المطهرون } أي: لا يمس القرآن إلا الملائكة الكرام، الذين طهرهم الله تعالى من الآفات والذنوب والعيوب، وإذا كان لا يمسه إلا المطهرون، وأن أهل الخبث والشياطين، لا استطاعة لهم، ولا يدان إلى مسه، دلت الآية بتنبيهها، على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر، كما ورد بذلك الحديث، ولهذا قيل أن الآية خبر بمعنى النهي أي: لا يمس القرآن إلا طاهر. { تنزيل من رب العالمين } أي: إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل رب العالمين، الذي يربي عباده بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ربى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين، ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورا، ومما يجب عليهم أن يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } أي: أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون أي: تختفون وتدلسون خوفا من الخلق وعارهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: {فلا أقسم} فليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف القسم بعد فقيل: أقسم. واختلفوا في معنى قوله: {بمواقع النجوم} ، فقال حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يعني: نجوم القرآن؛ فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا (1) في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية. وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، فهو قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} نجوم القرآن. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والسدي، وأبو حزرة. وقال مجاهد أيضا: {بمواقع النجوم} في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها. وكذا قال الحسن، وقتادة، وهو اختيار ابن جرير. وعن قتادة: مواقعها: منازلها. وعن الحسن أيضا: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة. وقال الضحاك: {فلا أقسم بمواقع النجوم} يعني بذلك: الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا، قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا. وقوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون (2) عظمته لعظمتم المقسم به عليه، {إنه لقرآن كريم} أي: إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم. {في كتاب مكنون} أي: معظم في كتاب معظم محفوظ موقر. قال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى (3) ، أخبرنا شريك، عن حكيم -هو ابن جبير-عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الكتاب الذي في السماء. وقال العوفي، عن ابن عباس: { [لا يمسه] إلا المطهرون} (4) يعني: الملائكة. وكذا قال أنس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نهيك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
للمكذبين به، ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم في ذلك نحو قولنا فيه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٦٧) ↗التحرير والتنوير
ابن عباس والشعبي: يجوز مس القرآن بالطهارة الكبرى وإن لم تكن الصغرى. ومما يلتحق بهذه المسألة مسألة قراءة غير المتطهر القرآن وليست مما شملته الآية ظاهرا ولكن لما كان النهي عن أن يمس المصحف غير متطهر لعله أن المس ملابسة لمكتوب القرآن فقد يكون النهي عن تلاوة ألفاظ القرآن حاصلا بمفهوم الموافقة المساوي أو الأحرى، إذ النطق ملابسة كملابسة إمساك المكتوب منه أو أشد وأحسب أن ذلك مثار اختلافهم في تلاوة القرآن لغير المتطهر. وإجماع العلماء على أن غير المتوضئ يقرأ القرآن مع اختلافهم في مس المصحف لغير المتوضئ يشعر بأن مس المصحف في نظرهم أشد ملابسة من النطق بآيات القرآن. قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يجوز للجنب قراءة القرآن ويجوز لغير المتوضئ. وقلت: شاع بين المسلمين من عهد الصحابة العمل بأن لا يتلو القرآن من كان جنبا ولم يؤثر عنهم إفتاء بذلك. وقال أحمد وداود: تجوز قراءة القرآن للجنب. ورخص مالك في قراءة اليسير منه كالآية والآيتين، ولم يشترط أحد من أهل العلم الوضوء على قارئ القرآن. واختلف في قراءته للحائض والنفساء. وعن مالك في ذلك روايتان، وأحسب أن رواية الجواز مراعى فيها أن انتقاض طهارتهما تطول مدته فكان ذلك سببا في الترخيص. [81] 81] أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) الفاء تفريع على ما سيق لأجله الكلام الذي قبلها في غرضه من التنويه بشأن القرآن، وهو الذي بحذو الفاء، أو من إثبات البعث والجزاء وهو الذي حواه معظم السورة، وكان التنويه بالقرآن من مسبباته. وأطبق المفسرون عدا الفخر على أن اسم الإشارة وبيانه بقوله: فبهذا الحديث مشير إلى القرآن لمناسبة الانتقال من التنويه بشأنه إلى الإنكار على المكذبين به. فالتفريع على قوله: إنه لقرآن كريم [الواقعة: 77] الآية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٣٧) ↗