سورة الواقعة · الآية ٨٠
﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أقسم تعالى بالنجوم ومواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في تلك الأوقات، من الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده، ثم عظم هذا المقسم به، فقال: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وإنما كان القسم عظيما، لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا يمكن حصرها، وأما المقسم عليه، فهو إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي: كثير الخير، غزير العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد من كتاب الله ويستنبط منه، { في كتاب مكنون } أي: مستور عن أعين الخلق، وهذا الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ أي: إن هذا القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، معظم عند الله وعند ملائكته في الملأ الأعلى. ويحتمل أن المراد بالكتاب المكنون، هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله بوحيه وتنزيله، وأن المراد بذلك أنه مستور عن الشياطين، لا قدرة لهم على تغييره، ولا الزيادة والنقص منه واستراقه، { لا يمسه إلا المطهرون } أي: لا يمس القرآن إلا الملائكة الكرام، الذين طهرهم الله تعالى من الآفات والذنوب والعيوب، وإذا كان لا يمسه إلا المطهرون، وأن أهل الخبث والشياطين، لا استطاعة لهم، ولا يدان إلى مسه، دلت الآية بتنبيهها، على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر، كما ورد بذلك الحديث، ولهذا قيل أن الآية خبر بمعنى النهي أي: لا يمس القرآن إلا طاهر. { تنزيل من رب العالمين } أي: إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل رب العالمين، الذي يربي عباده بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ربى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين، ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورا، ومما يجب عليهم أن يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } أي: أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون أي: تختفون وتدلسون خوفا من الخلق وعارهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: {فلا أقسم} فليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف القسم بعد فقيل: أقسم. واختلفوا في معنى قوله: {بمواقع النجوم} ، فقال حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يعني: نجوم القرآن؛ فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا (1) في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية. وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، فهو قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} نجوم القرآن. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والسدي، وأبو حزرة. وقال مجاهد أيضا: {بمواقع النجوم} في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها. وكذا قال الحسن، وقتادة، وهو اختيار ابن جرير. وعن قتادة: مواقعها: منازلها. وعن الحسن أيضا: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة. وقال الضحاك: {فلا أقسم بمواقع النجوم} يعني بذلك: الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا، قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا. وقوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون (2) عظمته لعظمتم المقسم به عليه، {إنه لقرآن كريم} أي: إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم. {في كتاب مكنون} أي: معظم في كتاب معظم محفوظ موقر. قال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى (3) ، أخبرنا شريك، عن حكيم -هو ابن جبير-عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الكتاب الذي في السماء. وقال العوفي، عن ابن عباس: { [لا يمسه] إلا المطهرون} (4) يعني: الملائكة. وكذا قال أنس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نهيك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٥٨) ↗التحرير والتنوير
و (العظيم) صالح لأن يجعل وصفا ل ربك، وهو عظيم بمعنى ثبوت جميع الكمال له وهذا مجاز شائع ملحق بالحقيقة وصالح لأن يكون وصفا لاسم والاسم عظيم عظمة مجازية ليمنه ولعظمة المسمى به. [75- 80] فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العالمين (80) تفريع على جملة قل إن الأولين والآخرين لمجموعون [الواقعة: 49، 50] يعرب عن خطاب من الله تعالى موجه إلى المكذبين بالبعث القائلين: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون [الواقعة: 47] ، انتقل به إلى التنويه بالقرآن لأنهم لما كذبوا بالبعث وكان إثبات البعث من أهم ما جاء به القرآن وكان مما أغراهم بتكذيب القرآن اشتماله على إثبات البعث الذي عدوه محالا، زيادة على تكذيبهم به في غير ذلك مما جاء به من إبطال شركهم وأكاذيبهم، فلما قامت الحجة على خطئهم في تكذيبهم، فقد تبين صدق ما أنبأهم به القرآن فثبت صدقه ولذلك تهيأ المقام للتنويه بشأنه. والفاء لتفريع القسم على ما سبق من أدلة وقوع البعث فإن قوله: قل إن الأولين والآخرين لمجموعون [الواقعة: 49، 50] ، إخبار بيوم البعث وإنذار لهم به وهم قد أنكروه، ولأجل استحالته في نظرهم القاصر كذبوا القرآن وكذبوا من جاء به، ففرع على تحقيق وقوع البعث والإنذار به تحقيق أن القرآن منزه عن النقائص وأنه تنزيل من الله وأن الذي جاء به مبلغ عن الله. فتفريع القسم تفريع معنوي باعتبار المقسم عليه، وهو أيضا تفريع ذكري باعتبار إنشاء القسم إن قالوا لكم: أقسم بمواقع النجوم. وقد جاء تفريع القسم على ما قبله بالفاء تفريعا في مجرد الذكر في قول زهير: فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم عقب أبيات النسيب من معلقته، وليس بين النسيب وبين ما تفرع عنه من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٢٩) ↗