سورة القمر · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد بان أن المكذبين لا حيلة في هداهم، فلم يبق إلا الإعراض عنهم والتولي عنهم، [فقال:] { فتول عنهم } وانتظر بهم يوما عظيما وهولا جسيما، وذلك حين { يدع الداع } إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: إلى أمر فظيع تنكره الخليقة، فلم تر منظرا أفظع ولا أوجع منه، فينفخ إسرافيل نفخة، يخرج بها الأموات من قبورهم لموقف القيامة، { خشعا أبصرهم } أي: من الهول والفزع الذي وصل إلى قلوبهم، فخضعت وذلت، وخشعت لذلك أبصارهم. { يخرجون من الأجداث } وهي القبور، { كأنهم } من كثرتهم، وروجان بعضهم ببعض { جراد منتشر } أي: مبثوث في الأرض، متكاثر جدا، { مهطعين إلى الداع } أي: مسرعين لإجابة النداء الداعي، وهذا يدل على أن الداعي يدعوهم ويأمرهم بالحضور لموقف القيامة، فيلبون دعوته، ويسرعون إلى إجابته، { يقول الكافرون } الذين قد حضر عذابهم: { هذا يوم عسر } كما قال تعالى على الكافرين غير يسير [المدثر: 10] [مفهوم ذلك أنه يسير سهل على المؤمنين].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القمر ٦–٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون: هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم، {يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر} أي: إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب وما فيه من البلاء، بل والزلازل والأهوال، {خشعا أبصارهم} أي: ذليلة أبصارهم {يخرجون من الأجداث} وهي: القبور، {كأنهم جراد منتشر} أي: كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي {جراد منتشر} في الآفاق؛ ولهذا قال: {مهطعين} أي: مسرعين {إلى الداعي} ، لا يخالفون ولا يتأخرون، {يقول الكافرون هذا يوم عسر} أي: يوم شديد الهول عبوس قمطرير {فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير} [المدثر: 9، 10] . يقول تعالى: {كذبت} قبل قومك يا محمد {قوم نوح فكذبوا عبدنا} أي: صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون، {وقالوا مجنون وازدجر} قال مجاهد: {وازدجر} أي: استطير جنونا. وقيل: {وازدجر} أي: انتهروه وزجروه وأوعدوه: {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} [الشعراء: 116] . قاله ابن زيد، وهذا متوجه حسن. {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} أي: إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم {فانتصر} أنت لدينك. قال الله تعالى: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} . قال السدي: هو الكثير {وفجرنا الأرض عيونا} أي: نبعت جميع أرجاء الأرض، حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا، {فالتقى الماء} أي: من السماء ومن الأرض {على أمر قد قدر} أي: أمر مقدر. قال ابن جريج، عن ابن عباس: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} كثير، لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده، ولا من السحاب؛ فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان على أمر قد قدر. وروى ابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليا عن المجرة فقال: هي شرج السماء، ومنها فتحت
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٧٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر، فإنهم يوم يدعو داعي الله إلى موقف القيامة، وذلك هو
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/١١٦) ↗التحرير والتنوير
المراد ب النذر آيات القرآن، جعلت كل آية كالنذير: وجمعت على نذر، ويجوز أن يكون جمع نذير بمعنى الإنذار اسم مصدر، وتقدم عند قوله تعالى: هذا نذير من النذر الأولى في آخر سورة النجم [56] . [6- 8] فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) فتول عنهم. تفريع على فما تغن النذر [القمر: 5] ، أي أعرض عن مجادلتهم فإنهم لا تفيدهم النذر كقوله: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم: 29] ، أي أنك قد بلغت فما أنت بمسؤول عن استجابتهم كما قال تعالى: فتول عنهم فما أنت بملوم [الذاريات: 54] . وهذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وتطمين له بأنه ما قصر في أداء الرسالة. ولا تعلق لهذه الآية بأحكام قتالهم إذ لم يكن السياق له ولا حدثت دواعيه يومئذ فلا وجه للقول بأنها منسوخة. يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر استئناف بياني لأن الأمر بالتولي مؤذن بغضب ووعيد فمن شأنه أن يثير في نفس السامع تساؤلا عن مجمل هذا الوعيد. وهذا الاستئناف وقع معترضا بين جملة ولقد جاءهم من الأنباء [القمر: 4] وجملة كذبت قبلهم قوم نوح [القمر: 9] . وإذ قد كان المتوعد به شيئا يحصل يوم القيامة قدم الظرف على عامله وهو يقول الكافرون هذا يوم عسر ليحصل بتقديمه إجمال يفصله بعض التفصيل ما يذكر بعده، فإذا سمع السامع هذا الظرف علم أنه ظرف لأهوال تذكر بعده هي تفصيل ما أجمله قوله: فتول عنهم من الوعيد بحيث لا يحسن وقع شيء مما في هذه الجملة هذا الموقع غير هذا الظرف، ولولا تقديمه لجاء الكلام غير موثوق العرى، وانظر كيف جمع فيما بعد قوله: يوم يدع الداع كثيرا من الأهوال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٧٦) ↗