سورة القمر · الآية ١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تبارك وتعالى حال المكذبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم، ولا تجدي عليهم شيئا، أنذرهم وخوفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذبة للرسل، وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه. فذكر قوم نوح، أول رسول بعثه الله إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فامتنعوا من ترك الشرك وقالوا: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا [نوح: 23]. ولم يزل نوح يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وطغيانا، وقدحا في نبيهم، ولهذا قال هنا: { فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون } لزعمهم أن ما هم عليه وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدل عليه العقل، وأن ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام جهل وضلال، لا يصدر إلا من المجانين، وكذبوا في ذلك، وقلبوا الحقائق الثابتة شرعا وعقلا، فإن ما جاء به هو الحق الثابت، الذي يرشد العقول النيرة المستقيمة، إلى الهدى والنور والرشد، وما هم عليه جهل وضلال مبين، [وقوله:] { وازدجر } أي: زجره قومه وعنفوه عندما دعاهم إلى الله تعالى، فلم يكفهم - قبحهم الله - عدم الإيمان به، ولا تكذيبهم إياه، حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، وهكذا جميع أعداء الرسل، هذه حالهم مع أنبيائهم، فعند ذلك دعا نوح ربه [فقال:] { أني مغلوب } لا قدرة لي على الانتصار منهم، لأنه لم يؤمن من قومه إلا القليل النادر، ولا قدرة لهم على مقاومة قومهم، { فانتصر } اللهم لي منهم، وقال في الآية الأخرى: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] الآيات، فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، قال تعالى: { ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر } أي: كثير جدا متتابع، { وفجرنا الأرض عيونا } فجعلت السماء ينزل منها من الماء شيء خارق للعادة، وتفجرت الأرض كلها، حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء فيه، فضلا عن كونه منبعا للماء، لأنه موضع النار. { فالتقى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السماء بماء منهمر. {وحملناه على ذات ألواح ودسر} : قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والقرظي، وقتادة، وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير، قال: وواحدها دسار، ويقال: دسير، كما يقال: حبيك وحباك، والجمع حبك. وقال مجاهد: الدسر: أضلاع السفينة. وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج. وقال الضحاك: الدسر: طرفها وأصلها. وقال العوفي عن ابن عباس: هو كلكلها. وقوله: {تجري بأعيننا} أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا {جزاء لمن كان كفر} أي جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارا لنوح، عليه السلام. وقوله: {ولقد تركناها آية} قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة. والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 41، 42] . وقال {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية. لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 11، 12] ؛ ولهذا قال ها هنا: {فهل من مدكر} أي: فهل من يتذكر ويتعظ؟ قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن ابن مسعود، قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهل من مدكر} فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن، مدكر أو مذكر؟ قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مدكر} (1) وهكذا رواه البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود (2) بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم: {فهل من مذكر} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {فهل من مدكر} (3) وروى البخاري أيضا من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {فهل من مدكر} (4) . وقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق؛ أنه سمع رجلا يسأل الأسود: {فهل من مدكر} أو {مذكر} ؟ قال: سمعت عبد الله يقرأ: {فهل من مدكر} . وقال: سمعت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فينتهوا عن أن يسلكوا مسلكهم في الكفر بالله، وتكذيب رسله، فيصيبهم مثل ما أصابهم من العقوبة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/١٢٨) ↗التحرير والتنوير
مستعمل في معنى التحضيض على التذكر بهذه الآية واستقصاء خبرها مثل الاستفهام في قول طرفة: إذا القوم قالوا من فتى ... البيت والتحضيض موجه إلى جميع من تبلغه هذه الآيات ومن زائدة للدلالة على عموم الجنس في الإثبات على الأصح من القولين. ومدكر أصله: مذتكر مفتعل من الذكر بضم الذال، وهو التفكر في الدليل فقلبت تاء الافتعال دالا لتقارب مخرجيهما، وأدغم الذال في الدال لذلك، وقراءة هذه الآية مروية بخصوصها عن النبيء صلى الله عليه وسلم. وتقدم في سورة يوسف [45] وادكر بعد أمة. [16] فكيف كان عذابي ونذر (16) تفريع على القصة بما تضمنته من قوله: ففتحنا أبواب السماء [القمر: 11] إلى آخره. و (كيف) للاستفهام عن حالة العذاب. وهو عذاب قوم نوح بالطوفان والاستفهام مستعمل في التعجيب من شدة هذا العذاب الموصوف. والجملة في معنى التذييل وهو تعريض بتهديد المشركين أن يصيبهم عذاب جزاء تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وإعراضهم وأذاهم كما أصاب قوم نوح. وحذف ياء المتكلم من نذر وأصله: نذري. وحذفها في الكلام في الوقف فصيح وكثر في القرآن عند الفواصل. والنذر: جمع نذير الذي هو اسم مصدر أنذر كالنذارة وتقدم آنفا في هذه السورة وإنما جمعت لتكرر النذارة من الرسول لقومه طلبا للإيمانهم. [17] ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) لما كانت هذه النذارة بلغت بالقرآن والمشركون معرضون عن استماعه حارمين أنفسهم من فوائده ذيل خبرها بتنويه شأن القرآن بأنه من عند الله وأن الله يسره
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٨٧) ↗