سورة النجم · الآية ٤١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
إلى آخر السورة يقول تعالى: { أفرأيت } قبح حالة من أمر بعبادة ربه وتوحيده، فتولى عن ذلك وأعرض عنه؟ فإن سمحت نفسه ببعض الشيء، القليل، فإنه لا يستمر عليه، بل يبخل ويكدى ويمنع. فإن المعروف ليس سجية له وطبيعة، بل طبعه التولي عن الطاعة، وعدم الثبوت على فعل المعروف، ومع هذا، فهو يزكي نفسه، وينزلها غير منزلتها التي أنزلها الله بها. { أعنده علم الغيب فهو يرى } الغيب ويخبر به، أم هو متقول على الله، متجرئ على الجمع بين الإساءة والتزكية كما هو الواقع، لأنه قد علم أنه ليس عنده علم من الغيب، وأنه لو قدر أنه ادعى ذلك فالإخبارات القاطعة عن علم الغيب التي على يد النبي المعصوم، تدل على نقيض قوله، وذلك دليل على بطلانه. { أم لم ينبأ } هذا المدعي { بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى } أي: قام بجميع ما ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه، وفي تلك الصحف أحكام كثيرة من أهمها ما ذكره الله بقوله: { ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد ذنبا، { وأن سعيه سوف يرى } في الآخرة فيميز حسنه من سيئه، { ثم يجزاه الجزآء الأوفى } أي: المستكمل لجميع العمل الحسن الخالص بالحسنى، والسيئ الخالص بالسوأى، والمشوب بحسبه، جزاء تقر بعدله وإحسانه الخليقة كلها، وتحمد الله عليه، حتى إن أهل النار ليدخلون النار، وإن قلوبهم مملوءة من حمد ربهم، والإقرار له بكمال الحكمة ومقت أنفسهم، وأنهم الذين أوصلوا أنفسهم وأوردوها شر الموارد، وقد استدل بقوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } من يرى أن القرب لا يفيد إهداؤها للأحياء ولا للأموات قالوا لأن الله قال: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } فوصول سعي غيره إليه مناف لذلك، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الآية إنما تدل على أنه ليس للإنسان إلا ما سعى بنفسه، وهذا حق لا خلاف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى قد أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عيانا؟! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا؛ ولهذا جاء في الحديث: "أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا" (1) ، وقد قال الله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 39] . وقوله: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم الذي وفى} قال سعيد بن جبير، والثوري أي بلغ جميع ما أمر به. وقال ابن عباس: {وفى} لله بالبلاغ. وقال سعيد بن جبير: {وفى} ما أمر به. وقال قتادة: {وفى} طاعة الله، وأدى رسالته إلى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما} [البقرة: 124] فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله، قال الله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل: 123] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وإبراهيم الذي وفى} قال: "أتدري ما وفى؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار". ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير، وهو ضعيف (2) . وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السمناني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد (3) ، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله، عز وجل، أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره" (4) . قال ابن أبي حاتم رحمه الله: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لا يؤاخذ بعقوبة ذنب غير عامله، ولا يثاب على صالح عمله عامل غيره وإنما عنى بذلك: الذي رجع عن إسلامه بضمان PageEndV22P081 صاحبه له أن يتحمل عنه العذاب، أن ضمانه ذلك لا ينفعه، ولا يغني عنه يوم القيامة شيئا، لأن كل عامل فبعمله مأخوذ
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٨٠) ↗التحرير والتنوير
واعلم أن هذا كله في تطوع أحد عن أحد بقربة، وأما الاستئجار على النيابة في القرب: فأما الحج فقد ذكروا فيه جواز الاستئجار بوصية، أو بغيرها، لأن الإنفاق من مقومات الحج، ويظهر أن كل عبادة لا يجوز أخذ فاعلها أجرة على فعلها كالصلاة والصوم لا يصح الاستئجار على الاستنابة فيها، وأن القرب التي يصح أخذ الأجر عليها يصح الاستئجار على النيابة فيها مثل قراءة القرآن، فقد أقر النبيء صلى الله عليه وسلم فعل الذين أخذوا أجرا على رقية الملدوغ بفاتحة الكتاب. وإذا علمت هذا كله فقوله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى هو حكم كان في شريعة سالفة، فالقائلون بأنه لا ينسحب علينا لم يكن فيما ورد من الأخبار بصحة النيابة في الأعمال في ديننا معارض لمقتضى الآية، والقائلون بأن شرع غيرنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، منهم من أعمل عموم الآية وتأول الأخبار المعارضة لها بالخصوصية، ومنهم من جعلها مخصصة للعموم، أو ناسخة، ومنهم من تأول ظاهر الآية بأن المراد ليس له ذلك حقيقة بحيث يعتمد على عمله، أو تأول السعي بالنية. وتأول اللام في قوله: للإنسان بمعنى (على) ، أي ليس عليه سيئات غيره. وفي تفسير سورة الرحمان من «الكشاف» : أن عبد الله بن طاهر قال للحسين بن الفضل: أشكلت علي ثلاث آيات. فذكر له منها قوله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فما بال الأضعاف، أي قوله تعالى: فيضاعفه له أضعافا كثيرة [البقرة: 245] ، فقال الحسين: معناه أنه ليس له إلا ما سعى عدلا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا (1) . [40، 41] وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) يجوز أن تكون عطفا على جملة ألا تزر وازرة وزر أخرى [النجم: 38] فهي من تمام تفسير بما في صحف موسى وإبراهيم [النجم: 36، 37] فيكون تغيير الأسلوب إذ جيء في هذه الآية بحرف أن المشددة لاقتضاء المقام أن يقع الإخبار عن سعي الإنسان بأنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٣٨) ↗