سورة الطور · الآية ٣٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس، مسلمهم وكافرهم، لتقوم حجة الله على الظالمين، ويهتدي بتذكيره الموفقون، وأنه لا يبالي بقول المشركين المكذبين وأذيتهم وأقوالهم التي يصدون بها الناس عن اتباعه، مع علمهم أنه أبعد الناس عنها، ولهذا نفى عنه كل نقص رموه به، فقال: { فمآ أنت بنعمة ربك } أي: منه ولطفه، { بكاهن } أي: له رئي من الجن، يأتيه بأخبار بعض الغيوب، التي يضم إليها مائة كذبة، { ولا مجنون } فاقد للعقل، بل أنت أكمل الناس عقلا، وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقا، وأجلهم وأكملهم، وتارة { يقولون } فيه: إنه { شاعر } يقول الشعر، والذي جاء به شعر، والله يقول: وما علمناه الشعر وما ينبغي له [يس: 69]. { نتربص به ريب المنون } أي: ننتظر به الموت، فسيبطل أمره، [ونستريح منه]، { قل } لهم جوابا لهذا الكلام السخيف: { تربصوا } أي: انتظروا بي الموت، { فإني معكم من المتربصين } نتربص بكم، أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، أو بأيدينا. { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ أم هم قوم طاغون } أي: أهذا التكذيب لك، والأقوال التي قالوها؟ هل صدرت عن عقولهم وأحلامهم؟ فبئس العقول والأحلام، التي أثرت ما أثرت، وصدر منها ما صدر. فإن عقولا جعلت أكمل الخلق عقلا مجنونا، وأصدق الصدق وأحق الحق كذبا وباطلا، لهي العقول التي ينزه المجانين عنها، أم الذي حملهم على ذلك ظلمهم وطغيانهم؟ وهو الواقع، فالطغيان ليس له حد يقف عليه، فلا يستغرب من الطاغي المتجاوز الحد كل قول وفعل صدر منه. { أم يقولون تقوله } أي: تقول محمد القرآن، وقاله من تلقاء نفسه؟ { بل لا يؤمنون } فلو آمنوا، لم يقولوا ما قالوا. { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } أنه تقوله، فإنكم العرب الفصحاء، والفحول البلغاء، وقد تحداكم أن تأتوا بمثله، فتصدق معارضتكم أو تقروا بصدقه، وأنكم لو اجتمعتم، أنتم والإنس والجن، لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله، فحينئذ أنتم بين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى محتجا على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: {كيف تكفرون بالله} أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره! {وكنتم أمواتا فأحياكم} أي: قد كنتم عدما فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} [الطور: 35، 36] ، وقال {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [الإنسان: 1] والآيات في هذا كثيرة. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قال: هي التي في البقرة: {وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} وقال ابن جريج (1) ، عن عطاء، عن ابن عباس: {كنتم أمواتا فأحياكم} أمواتا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال: وهي مثل قوله: { [ربنا] (2) أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} . وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم (3) ، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى. فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} وهكذا روي عن السدي بسنده، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة-وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك. وقال الثوري، عن السدي عن أبي صالح: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} قال: يحييكم (4) في القبر (5) ، ثم يميتكم. وقال ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ خلقهم في (6) ظهر آدم ثم أخذ (7) عليهم الميثاق، ثم أماتهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
… حكاية عن قول إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب [البقرة: 258] . وقوله: إن كانوا صادقين أي في زعمهم أنه تقوله، أي فإن لم يأتوا بكلام مثله فهم كاذبون. وهذا إلهاب لعزيمتهم ليأتوا بكلام مثل القرآن ليكون عدم إتيانهم بمثله حجة على كذبهم وقد أشعر نظم الكلام في قوله: فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين الواقع موقعا شبيها بالتذييل والمختوم بكلمة الفاصلة، أنه نهاية غرض وأن ما بعده شروع في غرض آخر كما تقدم في نظم قوله: قل تربصوا فإني معكم من المتربصين [الطور: 31] . [35، 36] أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) أم خلقوا من غير شيء. إضراب انتقالي إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكارهم البعث، وقد علمت في أول السورة أن من أغراضها إثبات البعث والجزاء على أن ما جاء بعده من وصف يوم الجزاء وحال أهله قد اقتضته مناسبات نشأت عنها تلك التفاصيل، فإذ وفي حق ما اقتضته تلك المناسبات ثني عنان الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وإبطال شبهتهم التي تعللوا بها من نحو قولهم: أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا [الإسراء: 49] . فكان قوله تعالى: أم خلقوا من غير شيء الآيات أدلة على أن ما خلقه الله من بدء الخلق أعظم من إعادة خلق الإنسان. وهذا متصل بقوله آنفا إن عذاب ربك لواقع [الطور: 7] لأن شبهتهم المقصود ردها بقوله: إن عذاب ربك لواقع هي قولهم: أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون [الإسراء: 49] ، ونحو ذلك. فحرف (من) في قوله: من غير شيء يجوز أن يكون للابتداء، فيكون معنى الاستفهام المقدر بعد (أم) تقريريا. والمعنى: أيقرون أنهم خلقوا بعد أن كانوا عدما فكلما خلقوا من عدم في نشأتهم الأولى ينشأون من عدم في النشأة الآخرة، وذلك إثبات لإمكان البعث، فيكون في معنى قوله تعالى: فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗