سورة الذاريات · الآية ٥٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مبينا لقدرته العظيمة: { والسمآء بنينها } أي: خلقناها وأتقناها، وجعلناها سقفا للأرض وما عليها. { بأييد } أي: بقوة وقدرة عظيمة { وإنا لموسعون } لأرجائها وأنحائها، وإنا لموسعون [أيضا] على عبادنا، بالرزق الذي ما ترك الله دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها. فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات، { والأرض فرشناها } أي: جعلناها فراشا للخلق، يتمكنون فيها من كل ما تتعلق به مصالحهم، من مساكن، وغراس وزرع وحرث وجلوس، وسلوك للطرق الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم، ولما كان الفراش قد يكون صالحا للانتفاع من كل وجه، وقد يكون من وجه دون وجه، أخبر تعالى أنه مهدها أحسن مهاد، على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال: { فنعم الماهدون } الذي مهد لعباده ما اقتضته [حكمته]، رحمته وإحسانه، { ومن كل شيء خلقنا زوجين } [أي: صنفين]، ذكر وأنثى، من كل نوع من أنواع الحيوانات، { لعلكم تذكرون } [لنعم الله التي أنعم بها عليكم] في تقدير ذلك، وحكمته حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها، لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها، فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع. فلما دعا العباد النظر لآياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه، أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرار إليه أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه، ظاهرا وباطنا، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، و من الغفلة إلى ذكر الله، فمن استكمل هذه الأمور، فقد استكمل الدين كله وقد زال عنه المرهوب، وحصل له نهاية المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فرارا، لأن في الرجوع لغيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب والأمن، [والسرور] والسعادة والفوز، فيفر العبد من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله نذير أنذركم عقابه، وأخوفكم عذابه الذي أحله بهؤلاء الأمم الذين قص عليكم قصصهم، والذي هو مذيقهم في الآخرة وقوله: {مبين} [البقرة: 168] يقول: يبين لكم نذارته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٥٤٩) ↗التحرير والتنوير
وهذا الاستدلال عليهم بخلق يشاهدون كيفياته وأطواره كلما لفتوا أبصارهم، وقدحوا أفكارهم، وهو خلق الذكر والأنثى ليكون منهما إنشاء خلق جديد يخلف ما سلفه وذلك أقرب تمثيل لإنشاء الخلق بعد الفناء. وهو البعث الذي أنكروه لأن الأشياء تقرب بما هو واضح من أحوال أمثالها. ولذلك أتبعه بقوله: لعلكم تذكرون، أي تتفكرون في الفروق بين الممكنات والمستحيلات، وتتفكرون في مراتب الإمكان فلا يختلط عليكم الاستبعاد وقلة الاعتياد بالاستحالة فتتوهموا الغريب محالا. فالتذكر مستعمل في إعادة التفكر في الأشياء ومراجعة أنفسهم فيما أحالوه ليعلموا بعد إعادة النظر أن ما أحالوه ممكن ولكنهم لم يألفوه فاشتبه عليهم الغريب بالمحال فأحالوه فلما كان تجديد التفكر المغفول عنه شبيها بتذكر الشيء المنسي أطلق عليه لعلكم تذكرون. وهذا في معنى قوله تعالى: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون [الواقعة: 60- 62] فقد ذيل هنالك بالحث على التذكر، كما ذيل هنا برجاء التذكر، فأفاد أن خلق الذكر والأنثى من نطفة هو النشأة الأولى وأنها الدالة على النشأة الآخرة. وجملة لعلكم تذكرون تعليل لجملة خلقنا زوجين أي رجاء أن يكون في الزوجين تذكر لكم، أي دلالة مغفول عنها. والقول في صدور الرجاء من الله مبين عنه قوله تعالى: ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون في سورة البقرة [52] . [50، 51] ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) بعد أن بين ضلال هؤلاء في تكذيبهم بالبعث بيانا بالبرهان الساطع، ومثل حالهم بحال الأمم الذين سلفوهم في التكذيب بالرسل وما جاءوا به جمعا بين الموعظة للضالين وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكانت فيما مضى من الاستدلال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٨) ↗