سورة الذاريات · الآية ٤٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مبينا لقدرته العظيمة: { والسمآء بنينها } أي: خلقناها وأتقناها، وجعلناها سقفا للأرض وما عليها. { بأييد } أي: بقوة وقدرة عظيمة { وإنا لموسعون } لأرجائها وأنحائها، وإنا لموسعون [أيضا] على عبادنا، بالرزق الذي ما ترك الله دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها. فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات، { والأرض فرشناها } أي: جعلناها فراشا للخلق، يتمكنون فيها من كل ما تتعلق به مصالحهم، من مساكن، وغراس وزرع وحرث وجلوس، وسلوك للطرق الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم، ولما كان الفراش قد يكون صالحا للانتفاع من كل وجه، وقد يكون من وجه دون وجه، أخبر تعالى أنه مهدها أحسن مهاد، على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال: { فنعم الماهدون } الذي مهد لعباده ما اقتضته [حكمته]، رحمته وإحسانه، { ومن كل شيء خلقنا زوجين } [أي: صنفين]، ذكر وأنثى، من كل نوع من أنواع الحيوانات، { لعلكم تذكرون } [لنعم الله التي أنعم بها عليكم] في تقدير ذلك، وحكمته حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها، لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها، فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع. فلما دعا العباد النظر لآياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه، أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرار إليه أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه، ظاهرا وباطنا، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، و من الغفلة إلى ذكر الله، فمن استكمل هذه الأمور، فقد استكمل الدين كله وقد زال عنه المرهوب، وحصل له نهاية المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فرارا، لأن في الرجوع لغيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب والأمن، [والسرور] والسعادة والفوز، فيفر العبد من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… رادا عليهم: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد صلى الله عليه وسلم هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء، {في العذاب} أي: [في] (2) الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله، {والضلال البعيد} من (3) الحق في الدنيا. ثم قال منبها لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} أي: حيثما (4) توجهوا وذهبوا فالسماء مظلة مظللة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض فرشناها فنعم الماهدون} [الذاريات:47، 48] . قال (5) عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} ؟ قال: إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. وقوله: {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك لظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا. ثم قال: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} قال معمر، عن قتادة: {منيب} : تائب. وقال سفيان (6) عن قتادة: المنيب: المقبل إلى (7) الله عز وجل. أي: إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها (8) واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم (9) بلى} [يس: 81] ، وقال: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر: 57] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٤٩٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٥٤٥) ↗التحرير والتنوير
والأيد: القوة. وأصله جمع يد، ثم كثر إطلاقه حتى صار اسما للقوة، وتقدم عند قوله تعالى: واذكر عبدنا داود ذا الأيد في سورة ص [17] . والمعنى: بنيناها بقدرة لا يقدر أحد مثلها. وتقديم السماء على عامله للاهتمام به، ثم بسلوك طريقة الاشتغال زاده تقوية ليتعلق المفعول بفعله مرتين: مرة بنفسه، ومرة بضميره، فإن الاشتغال في قوة تكرر الجملة. وزيد تأكيده بالتذييل بقوله: وإنا لموسعون. والواو اعتراضية. والموسع: اسم فاعل من أوسع، إذا كان ذا وسع، أي قدرة. وتصاريفه جائية من السعة، وهي امتداد مساحة المكان ضد الضيق، واستعير معناها للوفرة في أشياء مثل الإفراد مثل عمومها في ورحمتي وسعت كل شيء [الأعراف: 156] ، ووفرة المال مثل لينفق ذو سعة من سعته [الطلاق: 7] ، وقوله: على الموسع قدره [البقرة: 236] ، وجاء في أسمائه تعالى الواسع إن الله واسع عليم. وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية: الوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، والحكمة، قال تعالى: إن الله واسع عليم [البقرة: 115] ومنه قوله هنا: وإنا لموسعون. وأكد الخبر بحرف (إن) لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر سعة قدرة الله تعالى، إذ أحالوا إعادة المخلوقات بعد بلاها. [48] 48] والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) القول في تقديم الأرض على عامله، وفي مجيء طريقة الاشتغال كالقول في والسماء بنيناها [الذاريات: 47] . وكذلك القول في الاستدلال بذلك على إمكان البعث. من دقائق فخر الدين: أن ذكر الأمم الأربع للإشارة إلى أن الله عذبهم بما هو من أسباب وجودهم، وهو التراب والماء والهواء والنار، وهي عناصر الوجود، فأهلك قوم لوط بالحجارة وهي من طين، وأهلك قوم فرعون بالماء، وأهلك عادا بالريح وهو هواء، وأهلك ثمودا بالنار.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/١٦) ↗