سورة ق · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى حالة المكذبين وما ذمهم به، دعاهم إلى النظر في آياته الأفقية، كي يعتبروا، ويستدلوا بها على ما جعلت أدلة عليه فقال: { أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم } أي: لا يحتاج ذلك النظر إلى كلفة وشد رحل، بل هو في غاية السهولة، فينظرون { كيف بنيناها } قبة مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، مزينة بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة، لا ترى فيها عيبا، ولا فروجا، ولا خلالا، ولا إخلالا. قد جعلها الله سقفا لأهل الأرض، وأودع فيها من مصالحهم الضرورية ما أودع. { و } إلى { الأرض } كيف { مددناها } ووسعناها، حتى أمكن كل حيوان السكون فيها والاستقرار، والاستعداد لجميع مصالحه، وأرساها بالجبال، لتستقر من التزلزل والتموج، { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } أي: من كل صنف من أصناف النبات التي تسر ناظرها، وتعجب مبصرها، وتقر عين رامقها، لأكل بني آدم، وأكل بهائمهم ومنافعهم، وخص من تلك المنافع بالذكر، الجنات المشتملة على الفواكه اللذيذة، من العنب والرمان والأترج والتفاح، وغير ذلك من أصناف الفواكه، ومن النخيل الباسقات أي: الطوال، التي يطول نفعها وترتفع إلى السماء، حتى تبلغ مبلغا لا يبلغه كثير من الأشجار، فتخرج من الطلع النضيد، في قنوانها ما هو رزق للعباد قوتا وأدما وفاكهة، يأكلون منه ويدخرون، هم ومواشيهم وكذلك ما يخرج الله بالمطر، وما هو أثره من الأنهار التي على وجه الأرض، والتي تحتها من حب الحصيد، أي: من الزرع المحصود، من بر وشعير، وذرة، وأرز، ودخن وغيره. فإن في النظر في هذه الأشياء { تبصرة } يتبصر بها من عمى الجهل، { وذكرى } يتذكر بها، ما ينفع في الدين والدنيا، ويتذكر بها ما أخبر الله به، وأخبرت به رسله، وليس ذلك لكل أحد، بل { لكل عبد منيب } إلى الله أي: مقبل عليه بالحب والخوف والرجاء، وإجابة داعيه، وأما المكذب أو المعرض، فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… متقارب، كقوله تعالى: {الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك: 3، 4] أي: كليل، أي: عن أن يرى عيبا أو نقصا. وقوله: {والأرض مددناها} أي: وسعناها وفرشناها، {وألقينا فيها رواسي} وهي: الجبال؛ لئلا تميد بأهلها وتضطرب؛ فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها، {وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} أي: من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع، {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} [الذاريات: 49] ، وقوله: {بهيج} أي: حسن نضر. {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} أي: ومشاهدة خلق السموات [والأرض] (1) وما جعل [الله] (2) فيهما من الآيات العظيمة تبصرة ودلالة وذكرى لكل عبد منيب، أي: خاضع خائف وجل رجاع إلى الله عز وجل. وقوله تعالى: {ونزلنا من السماء ماء مباركا} أي: نافعا، {فأنبتنا به جنات} أي: حدائق من بساتين ونحوها، {وحب الحصيد} وهو: الزرع الذي يراد لحبه وادخاره. {والنخل باسقات} أي: طوالا شاهقات. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم: الباسقات الطوال. {لها طلع نضيد} أي: منضود. {رزقا للعباد} أي: للخلق، {وأحيينا به بلدة ميتا} وهي: الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في (3) حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها، فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله الموتى. وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث (4) كقوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] ، وقوله: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] ، وقال تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة (5) …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[ق: 7] يقول تعالى ذكره: وأنبتنا في الأرض من كل نوع من نبات حسن، وهو البهيج وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٤٠٩) ↗التحرير والتنوير
والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون [النحل: 5، 6] . [8] تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) مفعول لأجله للأفعال السابقة من قوله: بنيناها وزيناها [ق: 6] وقوله: مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها [ق: 7] إلخ، على أنه علة لها على نحو من طريقة التنازع، أي ليكون ما ذكر من الأفعال ومعمولاتها تبصرة وذكرى، أي جعلناه لغرض أن نبصر به ونذكر كل عبد منيب. وحذف متعلق تبصرة وذكرى ليعم كل ما يصلح أن يتبصر في شأنه بدلائل خلق الأرض وما عليها، وأهم ذلك فيهم هو التوحيد والبعث كما هو السياق تصريحا وتلويحا. وإنما كانت التبصرة والذكرى علة للأفعال المذكورة لأن التبصرة والذكرى من جملة الحكم التي أوجد الله تلك المخلوقات لأجلها. وليس ذلك بمقتض انحصار حكمة خلقها في التبصرة والذكرى، لأن أفعال الله تعالى لها حكم كثيرة علمنا. بعضها وخفي علينا بعض. والتبصرة: مصدر بصره. وأصل مصدره التبصير، فحذفوا الياء التحتية من أثناء الكلمة وعوضوا عنها التاء الفوقية في أول الكلمة كما قالوا: جرب تجربة وفسر تفسرة، وذلك يقل في المضاعف ويكثر في المهموز نحو جزأ تجزئة، ووطأ توطئة. ويتعين في المعتل نحو: زكى تزكية، وغطاه تغطية. والتبصير: جعل المرء مبصرا وهو هنا مجاز في إدراك النفس إدراكا ظاهرا للأمر الذي كان خفيا عنها فكأنها لم تبصره ثم أبصرته. والذكرى اسم مصدر ذكر، إذا جعله يذكر ما نسيه. وأطلقت هنا على مراجعة النفس ما علمته ثم غفلت عنه. وعبد بمعنى عبد الله، أي مخلوق، ولا يطلق إلا على الإنسان. وجمعه: عباد دون عبيد.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٢٩٠) ↗