سورة ق · الآية ٢٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وقال قرينه } أي: قرين هذا المكذب المعرض، من الملائكة، الذين وكلهم الله على حفظه وحفظ أعماله، فيحضره يوم القيامة ويحضر أعماله ويقول: { هذا ما لدي عتيد } أي: قد أحضرت ما جعلت عليه، من حفظه وحفظ عمله، فيجازى بعمله. ويقال لمن استحق النار: { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } أي: كثير الكفر والعناد لآيات الله، المكثر من المعاصي، المجترئ على المحارم والمآثم. { مناع للخير } أي: يمنع الخير الذي عنده، الذي أعظمه الإيمان بالله [وملائكته] وكتبه ورسله مناع، لنفع ماله وبدنه، { معتد } على عباد الله، وعلى حدوده، { مريب } أي: شاك في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان، والشك والريب والشح، واتخاذ الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال: { الذي جعل مع الله إلها آخر } أي: عبد معه غيره، ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا، { فألقياه } أيها الملكان القرينان { في العذاب الشديد } الذي هو معظمها وأشدها وأشنعها. { قال قرينه } الشيطان، متبرئا منه، حاملا عليه إثمه: { ربنا مآ أطغيته } لأني لم يكن لي عليه سلطان ولا حجة ولا برهان، ولكن كان في الضلال البعيد، فهو الذي ضل وأبعد عن الحق باختياره، كما قال في الآية الأخرى: وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم... الآية [إبراهيم: 22]. قال الله تعالى مجيبا لاختصامهم: { لا تختصموا لدي } أي: لا فائدة في اختصامكم عندي، { و } الحال أني { وقد قدمت إليكم بالوعيد } أي: جاءتكم رسلي بالآيات البينات، والحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي، وانقطعت حجتكم، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها. { ما يبدل القول لدي } أي: لا يمكن أن يخلف ما قاله الله وأخبر به، لأنه لا أصدق من الله قيلا، ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم: أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل (1) ويقول: {هذا ما لدي عتيد} أي: معتد (2) محضر (3) بلا زيادة ولا نقصان. وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي وكلتني به، قد أحضرته. وقد اختار ابن جرير أن يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة. فعند ذلك يحكم الله، سبحانه تعالى، في الخليقة بالعدل فيقول: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} وقد اختلف النحاة في قوله: {ألقيا} فقال بعضهم: هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية، كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي، اضربا عنقه، ومما أنشد ابن جرير على هذه اللغة قول الشاعر: فإن تزجراني -يا ابن عفان-أنزجر %~% وإن تتركاني أحم عرضا ممنعا (4) وقيل: بل هي نون التأكيد، سهلت إلى الألف. وهذا بعيد؛ لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير. {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، {عنيد} : معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك. {مناع للخير} أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة، {معتد} أي: فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه الحد. وقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره. {مريب} أي: شاك في أمره، مريب لمن نظر في أمره. {الذي جعل مع الله إلها آخر} أي: أشرك بالله فعبد معه غيره، {فألقياه في العذاب الشديد} . وقد تقدم في الحديث: أن عنقا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين ثم تلوى (5) عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية -هو ابن هشام-حدثنا شيبان، عن فراس عن عطية (6) ، عن أبي سعيد الخدري عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٤٤٠) ↗التحرير والتنوير
أي يوبخ عند مشاهدة العذاب بكلمة لقد كنت في غفلة من هذا، في حال قول قرينه هذا ما لدي عتيد. وهاء الغائب في قوله: قرينه عائدة إلى كل نفس [ق: 21] أو إلى الإنسان. وقرين فعيل بمعنى مفعول، أي مقرون إلى غيره. وكأن فعل قرن مشتق من القرن بالتحريك وهو الحبل وكانوا يقرنون البعير بمثله لوضع الهودج، فاستعير القرين للملازم. وهذا ليس بالتفات إذ ليس هو تغيير ضمير ولكنه تعيين أسلوب الكلام وأعيد عليه ضمير الغائب المفرد باعتبار معنى نفس أي شخص، أو غلب التذكير على التأنيث. واسم الإشارة في قوله: هذا ما لدي إلخ، يفسره قوله: ما لدي عتيد. وما في قوله: ما لدي موصولة بدل من اسم الإشارة. ولدي صلة، وعتيد خبر عن اسم الإشارة. واختلف المفسرون في المراد بالقرين في هذه الآية على ثلاثة أقوال: فقال قتادة والحسن والضحاك وابن زيد ومجاهد في أحد قوليه هو الملك الموكل بالإنسان الذي يسوقه إلى المحشر أي هو السائق الشهيد. وهذا يقتضي أن يكون القرين في قوله الآتي قال قرينه ربنا ما أطغيته [ق: 27] بمعنى غير معنى القرين في قوله: وقال قرينه هذا ما لدي عتيد. وعن مجاهد أيضا: أن القرين شيطان الكافر الذي كان يزين له الكفر في الدنيا أي الذي ورد في قوله تعالى: وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم [فصلت: 25] . وعن ابن زيد أيضا: أن قرينه صاحبه من الإنس، أي الذي كان قرينه في الدنيا. وعلى الاختلاف في المراد بالقرين يختلف تفسير قوله: هذا ما لدي عتيد فإن كان القرين الملك كانت الإشارة بقوله هذا إلى العذاب الموكل به ذلك الملك وإن كان القرين شيطانا أو إنسانا كانت الإشارة محتملة لأن تعود إلى العذاب كما في الوجه الأول، أو أن تعود إلى معاد ضمير الغيبة في قوله: قرينه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٣١٠) ↗