سورة ق · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وقال قرينه } أي: قرين هذا المكذب المعرض، من الملائكة، الذين وكلهم الله على حفظه وحفظ أعماله، فيحضره يوم القيامة ويحضر أعماله ويقول: { هذا ما لدي عتيد } أي: قد أحضرت ما جعلت عليه، من حفظه وحفظ عمله، فيجازى بعمله. ويقال لمن استحق النار: { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } أي: كثير الكفر والعناد لآيات الله، المكثر من المعاصي، المجترئ على المحارم والمآثم. { مناع للخير } أي: يمنع الخير الذي عنده، الذي أعظمه الإيمان بالله [وملائكته] وكتبه ورسله مناع، لنفع ماله وبدنه، { معتد } على عباد الله، وعلى حدوده، { مريب } أي: شاك في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان، والشك والريب والشح، واتخاذ الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال: { الذي جعل مع الله إلها آخر } أي: عبد معه غيره، ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا، { فألقياه } أيها الملكان القرينان { في العذاب الشديد } الذي هو معظمها وأشدها وأشنعها. { قال قرينه } الشيطان، متبرئا منه، حاملا عليه إثمه: { ربنا مآ أطغيته } لأني لم يكن لي عليه سلطان ولا حجة ولا برهان، ولكن كان في الضلال البعيد، فهو الذي ضل وأبعد عن الحق باختياره، كما قال في الآية الأخرى: وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم... الآية [إبراهيم: 22]. قال الله تعالى مجيبا لاختصامهم: { لا تختصموا لدي } أي: لا فائدة في اختصامكم عندي، { و } الحال أني { وقد قدمت إليكم بالوعيد } أي: جاءتكم رسلي بالآيات البينات، والحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي، وانقطعت حجتكم، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها. { ما يبدل القول لدي } أي: لا يمكن أن يخلف ما قاله الله وأخبر به، لأنه لا أصدق من الله قيلا، ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… نون التأكيد، سهلت إلى الألف. وهذا بعيد؛ لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير. {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، {عنيد} : معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك. {مناع للخير} أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة، {معتد} أي: فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه الحد. وقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره. {مريب} أي: شاك في أمره، مريب لمن نظر في أمره. {الذي جعل مع الله إلها آخر} أي: أشرك بالله فعبد معه غيره، {فألقياه في العذاب الشديد} . وقد تقدم في الحديث: أن عنقا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين ثم تلوى (5) عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية -هو ابن هشام-حدثنا شيبان، عن فراس عن عطية (6) ، عن أبي سعيد الخدري عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٠٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
جهنم الشديد
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٤٣٩) ↗التحرير والتنوير
وهذا أمر بأن يعم الإلقاء في جهنم كل كفار عنيد، فيعلم منه كل حاضر في الحشر من هؤلاء أنه مدفوع به إلى جهنم. والكفار: القوي الكفر، أي الشرك. والعنيد: القوي العناد، أي المكابرة والمدافعة للحق وهو يعلم أنه مبطل. والمناع: الكثير المنع، أي صد الناس عن الخير، والخير هو الإيمان، كانوا يمنعون أبناءهم وذويهم من اتباع الإيمان ومن هؤلاء الوليد بن المغيرة كان يقول لبني أخيه «من دخل منكم في الإسلام لا أنفعه بشيء ما عشت» . ويحتمل أن يراد به أيضا منع الفقراء من المال لأن الخير يطلق على المال وكان أهل الجاهلية يمنعون الفقراء ويعطون المال لأكابرهم تقربا وتلطفا. والمعتدي: الظالم الذي يعتدي على المسلمين بالأذى وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والقول الباطل. والمريب الذي أراب غيره، أي جعله مرتابا، أي شاكا، أي بما يلقونه إلى الناس من صنوف المغالطة ليشككوهم في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة الإيمان والتوحيد. وبين لفظي عتيد [ق: 18] وعنيد الجناس المصحف. [26] 26] الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) يجوز أن يكون اسم الموصول بدلا من كفار عنيد فإن المعرفة تبدل من النكرة كقوله تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله [الشورى: 52، 53] ، على أن الموصول هنا تعريفه لفظي مجرد لأن معنى الصلة غير مخصوص بمعين، وأن قوله: فألقياه تفريع على ألقيا في جهنم كل كفار عنيد [ق: 24] ومصب التفريع المتعلق وهو في العذاب الشديد، أي في أشد عذاب جهنم تفريعا على الأمر بإلقائه في جهنم تفريع بيان، وإعادة فعل ألقيا للتأكيد مع تفريع متعلق الفعل المؤكد. وهذا من بديع النظم، ونظيره قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر [القمر: 9]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٣١٢) ↗