سورة ق · الآية ٢٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وقال قرينه } أي: قرين هذا المكذب المعرض، من الملائكة، الذين وكلهم الله على حفظه وحفظ أعماله، فيحضره يوم القيامة ويحضر أعماله ويقول: { هذا ما لدي عتيد } أي: قد أحضرت ما جعلت عليه، من حفظه وحفظ عمله، فيجازى بعمله. ويقال لمن استحق النار: { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } أي: كثير الكفر والعناد لآيات الله، المكثر من المعاصي، المجترئ على المحارم والمآثم. { مناع للخير } أي: يمنع الخير الذي عنده، الذي أعظمه الإيمان بالله [وملائكته] وكتبه ورسله مناع، لنفع ماله وبدنه، { معتد } على عباد الله، وعلى حدوده، { مريب } أي: شاك في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان، والشك والريب والشح، واتخاذ الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال: { الذي جعل مع الله إلها آخر } أي: عبد معه غيره، ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا، { فألقياه } أيها الملكان القرينان { في العذاب الشديد } الذي هو معظمها وأشدها وأشنعها. { قال قرينه } الشيطان، متبرئا منه، حاملا عليه إثمه: { ربنا مآ أطغيته } لأني لم يكن لي عليه سلطان ولا حجة ولا برهان، ولكن كان في الضلال البعيد، فهو الذي ضل وأبعد عن الحق باختياره، كما قال في الآية الأخرى: وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم... الآية [إبراهيم: 22]. قال الله تعالى مجيبا لاختصامهم: { لا تختصموا لدي } أي: لا فائدة في اختصامكم عندي، { و } الحال أني { وقد قدمت إليكم بالوعيد } أي: جاءتكم رسلي بالآيات البينات، والحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي، وانقطعت حجتكم، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها. { ما يبدل القول لدي } أي: لا يمكن أن يخلف ما قاله الله وأخبر به، لأنه لا أصدق من الله قيلا، ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم: أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل (1) ويقول: {هذا ما لدي عتيد} أي: معتد (2) محضر (3) بلا زيادة ولا نقصان. وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي وكلتني به، قد أحضرته. وقد اختار ابن جرير أن يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة. فعند ذلك يحكم الله، سبحانه تعالى، في الخليقة بالعدل فيقول: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} وقد اختلف النحاة في قوله: {ألقيا} فقال بعضهم: هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية، كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي، اضربا عنقه، ومما أنشد ابن جرير على هذه اللغة قول الشاعر: فإن تزجراني -يا ابن عفان-أنزجر %~% وإن تتركاني أحم عرضا ممنعا (4) وقيل: بل هي نون التأكيد، سهلت إلى الألف. وهذا بعيد؛ لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير. {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، {عنيد} : معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك. {مناع للخير} أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة، {معتد} أي: فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه الحد. وقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره. {مريب} أي: شاك في أمره، مريب لمن نظر في أمره. {الذي جعل مع الله إلها آخر} أي: أشرك بالله فعبد معه غيره، {فألقياه في العذاب الشديد} . وقد تقدم في الحديث: أن عنقا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين ثم تلوى (5) عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية -هو ابن هشام-حدثنا شيبان، عن فراس عن عطية (6) ، عن أبي سعيد الخدري عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٤٣٦) ↗التحرير والتنوير
أحدها: السياق. والثاني: قوله معها سائق لأن السائق يناسب إزجاء أهل الجرائم، وأما المهديون إلى الكرامة فإنما يهديهم قائد يسير أمامهم قال تعالى: كأنما يساقون إلى الموت [الأنفال: 6] . والثالث: قوله بعده لقد كنت في غفلة من هذا [ق: 22] . والرابع: قوله بعده وقال قرينه هذا ما لدي عتيد [ق: 23] الآية. وجملة معها سائق وشهيد بدل اشتمال من جملة جاءت كل نفس. وسائق مرفوع بالظرف الذي هو معها على رأي من أجازه، أو مبتدأ خبره معها. ويجوز أن يكون جملة معها سائق وشهيد حالا من كل نفس. وعطف وشهيد على سائق يجوز أن يكون من عطف ذات على ذات فيكون المراد ملكان أحدهما يسوق النفس إلى المحشر والآخر يشهد عليها بما حوته صحائف أعمالها. ويجوز أن يكون من عطف الصفات مثل: إلى الملك القرم وابن الهمام فهو ملك واحد. والسائق الذي يجعل غيره أمامه يزجيه في السير ليكون بمرأى منه كيلا ينفلت وذلك من شأن المشي به إلى ما يسوء قال تعالى: كأنما يساقون إلى الموت [الأنفال: 6] وقال: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا [الزمر: 71] ، وأما قوله: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا [الزمر: 73] فمشاكلة. وضد السوق: القود. [22] 22] لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) مقول قول محذوف دل عليه تعينه من الخطاب، أي يقال هذا الكلام لكل نفس من نفوس المشركين فهو خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٣٠٨) ↗