سورة ق · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { وجاءت } هذا الغافل المكذب بآيات الله { سكرة الموت بالحق } الذي لا مرد له ولا مناص، { ذلك ما كنت منه تحيد } أي: تتأخر وتنكص عنه، { ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد } أي: اليوم الذي يلحق الظالمين ما أوعدهم الله به من العقاب، والمؤمنين ما وعدهم به من الثواب. { وجآءت كل نفس معها سآئق } يسوقها إلى موقف القيامة، فلا يمكنها أن تتأخر عنه، { وشهيد } يشهد عليها بأعمالها، خيرها وشرها، وهذا يدل على اعتناء الله بالعباد، وحفظه لأعمالهم، ومجازاته لهم بالعدل، فهذا الأمر، مما يجب أن يجعله العبد منه على بال، ولكن أكثر الناس غافلون، ولهذا قال: { لقد كنت في غفلة من هذا } أي: يقال للمعرض المكذب يوم القيامة هذا الكلام توبيخا، ولوما وتعنيفا أي: لقد كنت مكذبا بهذا، تاركا للعمل له فالآن { فكشفنا عنك غطآءك } الذي غطى قلبك، فكثر نومك، واستمر إعراضك، { فبصرك اليوم حديد } ينظر ما يزعجه ويروعه من أنواع العذاب والنكال. أو هذا خطاب من الله للعبد فإنه في الدنيا في غفلة عما خلق له، ولكنه يوم القيامة، ينتبه ويزول عنه وسنه، ولكنه في وقت لا يمكنه أن يتدارك الفارط، ولا يستدرك الفائت، وهذا كله تخويف من الله للعباد، وترهيب، بذكر ما يكون على المكذبين في ذلك اليوم العظيم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: ق ١٩–٢٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعمله محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله (1) تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" (2) . وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده (3) إليه. ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} كما قال في المحتضر: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 85] ، يعني ملائكته. وكما قال [تعالى] (4) : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] ، فالملائكة نزلت بالذكر -وهو القرآن-بإذن الله، عز وجل. وكذلك (5) الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار (6) الله لهم على ذلك، فالملك لمة في الإنسان كما أن للشيطان لمة وكذلك: "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق؛ ولهذا قال هاهنا: {إذ يتلقى المتلقيان} يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان. {عن اليمين وعن الشمال قعيد} أي: مترصد (7) . {ما يلفظ} أي: ابن آدم {من قول} أي: ما يتكلم بكلمة (8) {إلا لديه رقيب عتيد} أي: إلا ولها من يراقبها معتد (9) لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} [الانفطار: 10 -12] . وقد اختلف العلماء: هل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟ وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس، على قولين، وظاهر الآية الأول، لعموم قوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[ق: 20]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٤٢٧) ↗التحرير والتنوير
القرطبي في «التذكرة» عن «مسند الطيالسي» عن البراء. وعن كتاب «النسائي» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حضر الميت المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء يقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح وريحان ورب راض غير غضبان، فإذا قبضه الملك لم يدعوها في يده طرفة فتخرج كأطيب ريح المسك فتعرج بها الملائكة حتى يأتوا به باب السماء» . وساق الحديث إلا أن في الحديث ملائكة جمعا وفي الآية المتلقيان تثنية. وعلى هذا الوجه يكون مفعول يتلقى ما دل عليه قوله بعده وجاءت سكرة الموت. والتقدير: إذ يتلقى المتلقيان روح الإنسان. ويكون التعريف في قوله: عن اليمين وعن الشمال عوضا عن المضاف إليه أي عن يمينها وعن شمالها قعيد، وهو على التوزيع، أي عن يمين أحدهما وعن شمال الآخر. ويكون قعيد مستعملا في معنى: قعيدان فإن فعيلا بمعنى فاعل قد يعامل معاملة فعيل بمعنى مفعول، كقول الأرزق بن طرفة: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوي رماني والاقتصار على ما يلفظ من قول حينئذ ظاهر لأن الإنسان في تلك الحالة لا تصدر منه أفعال لعجزه فلا يصدر منه في الغالب إلا أقوال من تضجر أو أنين أو شهادة بالتوحيد، أو ضدها، ومن ذلك الوصايا والإقرارات. [19] وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) عطف على جملة ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] لاشتراكهما في التنبيه على الجزاء على الأعمال. فهذا تنقل في مراحل الأمور العارضة للإنسان التي تسلمه من حال إلى آخر حتى يقع في الجزاء على أعماله التي قد أحصاها الحفيظان. وإنما خولف التعبير في المعطوف بصيغة الماضي دون صيغة المضارع التي صيغ بها المعطوف عليه لأنه لقربه صار بمنزلة ما حصل قصدا لإدخال الروع في نفوس
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٣٠٥) ↗