سورة ق · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، وأنه يعلم أحواله وما يسره، ويوسوس في صدره، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه، المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحي منه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره، وكذلك ينبغي له أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال، فيجلهم ويوقرهم، ويحذر أن يفعل أو يقول ما يكتب عنه، مما لا يرضي رب العالمين، ولهذا قال: { إذ يتلقى المتلقيان } أي: يتلقيان عن العبد أعماله كلها، واحد { عن اليمين } يكتب الحسنات، { و } الآخر { عن الشمال } يكتب السيئات، وكل منهما { قعيد } بذلك متهيئ لعمله الذي أعد له، ملازم له { ما يلفظ من قول } خير أو شر { إلا لديه رقيب عتيد } أي: مراقب له، حاضر لحاله، كما قال تعالى: وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون [الانفطار: 10-12].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: ق ١٦–١٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… المصدوق؛ ولهذا قال هاهنا: {إذ يتلقى المتلقيان} يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان. {عن اليمين وعن الشمال قعيد} أي: مترصد (7) . {ما يلفظ} أي: ابن آدم {من قول} أي: ما يتكلم بكلمة (8) {إلا لديه رقيب عتيد} أي: إلا ولها من يراقبها معتد (9) لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} [الانفطار: 10 -12] . وقد اختلف العلماء: هل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟ وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس، على قولين، وظاهر الآية الأول، لعموم قوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبيه، عن جده علقمة، عن بلال بن الحارث المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه (10) . وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها (11) سخطه إلى يوم يلقاه". قال: فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث محمد بن عمرو به (12) . وقال الترمذي: حسن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٩٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٤٢٢) ↗التحرير والتنوير
الاضمحلال تدخل تحت حقيقة النقص فقد يفنى بعض أجزاء الجسد ويبقى بعضه، وقد يأتي الفناء على جميع أجزائه، على أنه إذا صح أن عجب الذنب لا يفنى كان فناء الأجساد نقصا لا انعداما. وعطف على قوله: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم قوله: وعندنا كتاب حفيظ عطف الأعم على الأخص، وهو بمعنى تذييل لجملة قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي وعندنا علم بكل شيء علما ثابتا فتنكير كتاب للتعظيم، وهو تعظيم التعميم، أي عندنا كتاب كل شيء. وحفيظ فعيل: إما بمعنى فاعل، أي حافظ لما جعل لإحصائه من أسماء الذوات ومصائرها. وتعيين جميع الأرواح لذواتها التي كانت مودعة فيها بحيث لا يفوت واحد منها عن الملائكة الموكلين بالبعث وإعادة الأجساد وبث الأرواح فيها. وإما بمعنى مفعول، أي محفوظ ما فيه مما قد يعتري الكتب المألوفة من المحو والتغيير والزيادة والتشطيب ونحو ذلك. والكتاب: المكتوب، ويطلق على مجموع الصحائف. ثم يجوز أن يكون الكتاب حقيقة بأن جعل الله كتبا وأودعها إلى ملائكة يسجلون فيها الناس حين وفياتهم ومواضع أجسادهم ومقار أرواحهم وانتساب كل روح إلى جسدها المعين الذي كانت حالة فيه حال الحياة الدنيا صادقا بكتب عديدة لكل إنسان كتابه، وتكون مثل صحائف الأعمال الذي جاء فيه قوله تعالى: إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق: 17، 18] ، وقوله: ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [الإسراء: 13، 14] . ويجوز أن يكون مجموع قوله: وعندنا كتاب تمثيلا لعلم الله تعالى بحال علم من عنده كتاب حفيظ يعلم به جميع أعمال الناس. والعندية في قوله: وعندنا كتاب مستعارة للحياطة والحفظ من أن يتطرق إليه ما يغير ما فيه أو من يبطل ما عين له.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٢٨٣) ↗