سورة ق · الآية ١٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، وأنه يعلم أحواله وما يسره، ويوسوس في صدره، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه، المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحي منه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره، وكذلك ينبغي له أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال، فيجلهم ويوقرهم، ويحذر أن يفعل أو يقول ما يكتب عنه، مما لا يرضي رب العالمين، ولهذا قال: { إذ يتلقى المتلقيان } أي: يتلقيان عن العبد أعماله كلها، واحد { عن اليمين } يكتب الحسنات، { و } الآخر { عن الشمال } يكتب السيئات، وكل منهما { قعيد } بذلك متهيئ لعمله الذي أعد له، ملازم له { ما يلفظ من قول } خير أو شر { إلا لديه رقيب عتيد } أي: مراقب له، حاضر لحاله، كما قال تعالى: وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون [الانفطار: 10-12].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: ق ١٦–١٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعمله محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله (1) تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" (2) . وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده (3) إليه. ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} كما قال في المحتضر: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 85] ، يعني ملائكته. وكما قال [تعالى] (4) : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] ، فالملائكة نزلت بالذكر -وهو القرآن-بإذن الله، عز وجل. وكذلك (5) الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار (6) الله لهم على ذلك، فالملك لمة في الإنسان كما أن للشيطان لمة وكذلك: "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق؛ ولهذا قال هاهنا: {إذ يتلقى المتلقيان} يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان. {عن اليمين وعن الشمال قعيد} أي: مترصد (7) . {ما يلفظ} أي: ابن آدم {من قول} أي: ما يتكلم بكلمة (8) {إلا لديه رقيب عتيد} أي: إلا ولها من يراقبها معتد (9) لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} [الانفطار: 10 -12] . وقد اختلف العلماء: هل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟ وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس، على قولين، وظاهر الآية الأول، لعموم قوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بابتداع الخلق الأول الذي خلقناه، ولم يكن شيئا فنعيا بإعادتهم خلقا جديدا بعد بلائهم في التراب، وبعد فنائهم؛ يقول: ليس يعيينا ذلك، بل نحن عليه PageEndV21P420 قادرون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٤١٩) ↗التحرير والتنوير
ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) هذا تفصيل لبعض الخلق الأول بذكر خلق الإنسان وهو أهم في هذا المقام للتنبيه على أنه المراد من الخلق الأول وليبنى عليه ونعلم ما توسوس به نفسه الذي هو تتميم لإحاطة صفة العلم في قوله: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم [ق: 4] ولينتقل منه الإنذار بإحصاء أعمال الناس عليها وهو ما استرسل في وصفه من قوله: إذ يتلقى المتلقيان [ق: 17] إلخ. ووصف البعث وصف الجزاء من قوله: ونفخ في الصور إلى قوله: ولدينا مزيد [ق: 20- 35] . وتأكيد هذا الخبر باللام و (قد) مراعى فيه المتعاطفات وهي نعلم ما توسوس به نفسه لأنهم وإن كانوا يعلمون أن الله خلق الناس فإنهم لا يعلمون أن الله عالم بأحوالهم. والإنسان يعم جميع الناس ولكن المقصود منهم أولا المشركون لأنهم المسوق إليهم هذا الخبر، وهو تعريض بالإنذار كما يدل عليه قوله بعده ذلك ما كنت منه تحيد [ق: 19] وقوله: لقد كنت في غفلة من هذا [ق: 22] وقوله: ذلك يوم الوعيد [ق: 20] . والباء في قوله به زائدة لتأكيد اللصوق، والضمير عائد الصلة كأنه قيل: ما تتكلمه نفسه على طريقة وامسحوا برؤسكم [المائدة: 6] . وفائدة الإخبار بأن الله يعلم ما توسوس به نفس كل إنسان التنبيه على سعة علم الله تعالى بأحوالهم كلها فإذا كان يعلم حديث النفس فلا عجب أن يعلم ما تنقص الأرض منهم. والإخبار عن فعل الخلق بصيغة المضي ظاهر، وأما الإخبار عن علم ما توسوس به النفس بصيغة المضارع فللدلالة على أن تعلق علمه تعالى بالوسوسة متجدد غير منقض ولا محدود لإثبات عموم علم الله تعالى، والكناية عن التحذير من إضمار ما لا يرضي الله.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٢٩٩) ↗