سورة المائدة · الآية ٨٦
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين، وإلى ولايتهم ومحبتهم، وأبعدهم من ذلك: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم، وذلك لشدة بغضهم لهم، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا. { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } وذكر تعالى لذلك عدة أسباب: منها: أن { منهم قسيسين ورهبانا } أي: علماء متزهدين، وعبادا في الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين. ومنها: { وأنهم لا يستكبرون } أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر. ومنها: أنهم { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول } محمد صلى الله عليه وسلم، أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا له، وفاضت أعينهم بسبب ما سمعوا من الحق الذي تيقنوه، فلذلك آمنوا وأقروا به فقالوا: { ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون لله بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاؤوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب. وهم عدول، شهادتهم مقبولة، كما قال تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143]. فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: { وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } أي: وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله، والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا، الذي لا يقبل الشك والريب، ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبا للمسارعة والانقياد للإيمان وعدم التخلف عنه. قال …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة (1) عن أبي سعيد -واسمه سعد بن مالك بن سنان الخدري-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، لكن أقواما أصابتهم النار بخطاياهم، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة". وقد رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة به (2) . [وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما تقول: قم قم، وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، والصحيح الأول، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه] (3) . يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب، عليه السلام، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا. يا ابن الشجاع، بارز الأبطال، يا ابن العالم، اطلب العلم ونحو ذلك. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3] فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ ". قالوا: اللهم نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اشهد (4) " (5) وقال الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس؛ أن إسرائيل كقولك: عبد الله. وقوله تعالى: {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك، فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٢٤١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الكفر: التغطية على الشيء {أولئك أصحاب النار} [البقرة: 39] يعني: أهلها الذين هم أهلها دون غيرهم المخلدون فيها أبدا إلى غير أمد ولا نهاية
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/٥٩٢) ↗التحرير والتنوير
الثالثة: أن تحذف (أن) ويرفع الفعل عملا على القرينة، كما روي بيت طرفة (أحضر) برفع أحضر، ومنه قول المثل (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) ، وفي الحديث «تحمل لأخيك الركاب صدقة» . الرابعة: عود الضمير على الفعل مرادا به المصدر، كما في هذه الآية. وهذه الآية اقتصر عليها النحاة في التمثيل حتى يخيل للناظر أنه مثال فذ في بابه، وليس كذلك بل منه قوله تعالى: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا [الكهف: 4] . وأمثلته كثيرة: منها قوله تعالى: ما لهم به من علم [الكهف: 5] ، فضمير به عائد إلى القول المأخوذ من قالوا، ومنه قوله تعالى: ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه [الحج: 30] ، فضمير فهو عائد للتعظيم المأخوذ من فعل يعظم، وقول بشار: والله رب محمد ... ما إن غدرت ولا نويته أي الغدر. ومعنى أقرب للتقوى أي للتقوى الكاملة التي لا يشذ معها شيء من الخير، وذلك أن العدل هو ملاك كبح النفس عن الشهوة وذلك ملاك التقوى. [9، 10] وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) عقب أمرهم بالتقوى بذكر ما وعد الله به المتقين ترغيبا في الامتثال، وعطف عليه حال أضداد المتقين ترهيبا. فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. ومفعول وعد الثاني محذوف تنزيلا للفعل منزلة المتعدي إلى واحد. وجملة لهم مغفرة مبينة لجملة وعد الله الذين آمنوا، فاستغني بالبيان عن المفعول، فصار التقدير: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما لهم. وإنما عدل عن هذا النظم لما في إثبات المغفرة لهم بطريق الجملة الاسمية من الدلالة على الثبات والتقرر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٣٦) ↗