سورة المائدة · الآية ٨٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين، وإلى ولايتهم ومحبتهم، وأبعدهم من ذلك: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم، وذلك لشدة بغضهم لهم، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا. { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } وذكر تعالى لذلك عدة أسباب: منها: أن { منهم قسيسين ورهبانا } أي: علماء متزهدين، وعبادا في الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين. ومنها: { وأنهم لا يستكبرون } أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر. ومنها: أنهم { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول } محمد صلى الله عليه وسلم، أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا له، وفاضت أعينهم بسبب ما سمعوا من الحق الذي تيقنوه، فلذلك آمنوا وأقروا به فقالوا: { ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون لله بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاؤوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب. وهم عدول، شهادتهم مقبولة، كما قال تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143]. فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: { وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } أي: وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله، والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا، الذي لا يقبل الشك والريب، ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبا للمسارعة والانقياد للإيمان وعدم التخلف عنه. قال …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم. وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته، فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدي: فهاجر النجاشي فمات في الطريق. وهذا من إفراد السدي؛ فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر، سبعة قساوسة (1) وخمسة رهابين. وقيل بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلا. فالله أعلم. (2) وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة، أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين، وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا. واختار ابن جرير أن هذه [الآية] (3) نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء أكانوا من الحبشة أو غيرها. فقوله [تعالى] (4) {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود ومباهتة للحق، وغمط للناس وتنقص بحملة العلم. ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين -عليهم لعائن الله المتتابعة (5) إلى يوم القيامة. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن محمد بن السري: حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حدثنا سعيد العلاف بن العلاف، حدثنا أبو النضر، عن الأشجعي، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله عن أبيه، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الصالحين {جنات تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] ، يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار، {خالدين فيها} [البقرة: 162] ، يقول: دائما فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحولون عنها {وذلك جزاء المحسنين} [المائدة: 85] ، يقول: وهذا الذي جزيت هؤلاء القائلين بما وصفت عنهم من قيلهم على ما قالوا من الجنات التي
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٦٠٥) ↗التحرير والتنوير
أو غيرهم بأنهم لم يتصلبوا في دينهم. فقد قيل: إن اليهود عيروا النفر الذين أسلموا، إذا صح خبر إسلامهم. وتقدم القول في تركيب «ما لنا لا نفعل» عند قوله تعالى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله في سورة النساء [75] . وجملة ونطمع يجوز أن تكون معطوفة على جملة ما لنا لا نؤمن. ويحتمل أن تكون الواو للحال، أي كيف نترك الإيمان بالحق وقد كنا من قبل طامعين أن يجعلنا ربنا مع القوم الصالحين مثل الحواريين، فكيف نفلت ما عن لنا من وسائل الحصول على هذه المنقبة الجليلة. ولا يصح جعلها معطوفة على جملة نؤمن لئلا تكون معمولة للنفي، إذ ليس المعنى على ما لنا لا نطمع، لأن الطمع في الخير لا يتردد فيه ولا يلام عليه حتى يحتاج صاحبه إلى الاحتجاج لنفسه ب (ما لنا لا نفعل) . [85] 85] فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) تفريع على قوله يقولون: ربنا آمنا ... [المائدة: 83] إلى آخر الآية. ومعنى (أثابهم) أعطاهم الثواب. وقد تقدم القول فيه عند تفسير قوله تعالى: لمثوبة من عند الله خير في سورة البقرة [103] . والباء في قوله بما قالوا للسببية. والمراد بالقول قول الصادق وهو المطابق للواقع، فهو القول المطابق لاعتقاد القلب، وما قالوه هو ما حكي بقوله تعالى: يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ... [المائدة: 83] الآية. وأثاب يتعدى إلى مفعولين على طريقة باب أعطى، ف جنات مفعوله الثاني، وهو المعطى لهم. والإشارة في قوله وذلك جزاء المحسنين إلى الثواب المأخوذ من فأثابهم ولك أن تجعل الإشارة إلى المذكور وهو الجنات وما بها من الأنهار وخلودهم فيها. وقد تقدم نظير ذلك عند قوله تعالى في سورة البقرة [68] عوان بين ذلك.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٢) ↗