سورة المائدة · الآية ٦٩
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن أهل الكتب، من أهل القرآن والتوراة والإنجيل، أن سعادتهم ونجاتهم في طريق واحد، وأصل واحد، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر [والعمل الصالح]. فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فله النجاة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا منها. وهذا الحكم المذكور يشمل سائر الأزمنة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المائدة ٦٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: 62] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت: 30] . قال (2) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال سلمان: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} إلى آخر الآية. وقال السدي: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا} الآية: نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون (3) أنك ستبعث نبيا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: "يا سلمان، هم من أهل النار". فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى، عليه السلام؛ حتى جاء عيسى. فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى، فلم يدعها ولم يتبع عيسى، كان هالكا. وإيمان النصارى أن (4) من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع (5) ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل -كان هالكا. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا. قلت: وهذا لا ينافي ما روى علي بن (6) أبي طلحة، عن ابن عباس: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} الآية فأنزل الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وإيمانهم بذلك: تصديقهم به على ما قد بيناه فيما مضى من كتابنا هذا. وأما الذين هادوا، فهم اليهود، ومعنى هادوا: تابوا، يقال منه: هاد القوم يهودون هودا وهادة. وقيل: إنما سميت اليهود يهود من أجل قولهم: {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٣٢) ↗التحرير والتنوير
فيكون بينه وبين الهدى عموم وخصوص مطلق، فالنور أعم، والعطف لأجل تلك المغايرة بالعموم. والمراد بالنبيين فيجوز أنهم أنبياء بني إسرائيل، موسى والأنبياء الذين جاءوا من بعده. فالمراد بالذين أسلموا الذين كان شرعهم الخاص بهم كشرع الإسلام سواء، لأنهم كانوا مخصوصين بأحكام غير أحكام عموم أمتهم بل هي مماثلة للإسلام، وهي الحنيفية الحق، إذ لا شك أن الأنبياء كانوا على أكمل حال من العبادة والمعاملة، ألا ترى أن الخمر ما كانت محرمة في شريعة قبل الإسلام ومع ذلك ما شربها الأنبياء قط، بل حرمتها التوراة على كاهن بني إسرائيل فما ظنك بالنبيء. ولعل هذا هو المراد من وصية إبراهيم لبنيه بقوله: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة: 132] كما تقدم هنالك. وقد قال يوسف- عليه السلام- في دعائه: توفني مسلما وألحقني بالصالحين [يوسف: 101] . والمقصود من الوصف بقوله: الذين أسلموا على هذا الوجه الإشارة إلى شرف الإسلام وفضله إذ كان دين الأنبياء. ويجوز أن يراد بالنبيئين محمد صلى الله عليه وسلم وعبر عنه بصيغة الجمع تعظيما له. واللام في قوله: للذين هادوا للأجل وليست لتعدية فعل يحكم إذ الحكم في الحقيقة لهم وعليهم. والذين هادوا هم اليهود، وهو اسم يرادف معنى الإسرائيليين، إلا أن أصله يختص ببني يهوذا منهم، فغلب عليهم من بعد، كما قدمناه عند قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين الآية في سورة البقرة [62] . والربانيون جمع رباني، وهو العالم المنسوب إلى الرب، أي إلى الله تعالى. فعلى هذا يكون الرباني نسبا للرب على غير قياس، كما قالوا: شعراني لكثير الشعر، ولحياني لعظيم اللحية. وقيل: الرباني العالم المربي، وهو الذي يبتدىء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٠٨) ↗