البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المائدة · الآية ٦٦

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن مقالة اليهود الشنيعة، وعقيدتهم الفظيعة، فقال: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } أي: عن الخير والإحسان والبر. { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم. فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم، بالبخل وعدم الإحسان. فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم. فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا، وأسوأهم ظنا بالله، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي. ولهذا قال: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء } لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم. فيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرار، يفرج كربا، ويزيل غما، ويغني فقيرا، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا، ويجيب سائلا ويعطي فقيرا عائلا، ويجيب المضطرين، ويستجيب للسائلين. وينعم على من لم يسأله، ويعافي من طلب العافية، ولا يحرم من خيره عاصيا، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها، ويضيفها إليهم، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف، ولا يخطر على بال العبد، ويلطف بهم في جميع أمورهم، ويوصل إليهم من الإحسان، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه، وإليه يجأرون في دفع المكاره، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده. وقبح الله من استغنى بجهله عن ربه، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم، لهلكوا، وشقوا في دنياهم، ولكنهم يقولون تلك الأقوال، وهو تعالى يحلم عنهم، ويصفح، ويمهلهم ولا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

بقولهم: {يد الله مغلولة} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: {مغلولة} أي: بخيلة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة (1) ولكن يقولون: بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وكذا روي عن عكرمة، وقتادة، والسدي، ومجاهد، والضحاك وقرأ: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء:29] . يعني: أنه ينهى (2) عن البخل وعن التبذير، وهو الزيادة في الإنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} . وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله. وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنحاص اليهودي، عليه لعنة الله. وقد تقدم أنه الذي قال: {إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران:181] فضربه أبو بكر الصديق، رضي الله عنه. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود، يقال له: شاس (3) بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} وقد رد الله، عز وجل، عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} وهكذا (4) وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة (5) أمر عظيم، كما قال تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله [فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (6) ] } [النساء:53 -55] وقال تعالى: {ضربت عليهم الذلة [أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس (7) ] } الآية [آل عمران:112] . ثم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

{وما أنزل إليهم من ربهم} [المائدة: 66] يقول: " وعملوا بما أنزل إليهم من ربهم من الفرقان الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب ونسخ بعضها بعضا؟ قيل: وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متفقة في الأمر بالإيمان برسل الله والتصديق بما جاءت به من عند الله؛ فمعنى إقامتهم التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم تصديقهم بما فيها

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٥٦٢) ↗

التحرير والتنوير

يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي (أي عند ما بلغته الدعوة المحمدية) فله أجران، ورجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران. واللام في قوله: لكفرنا عنهم- وقوله- ولأدخلناهم لام تأكيد يكثر وقوعها في جواب (لو) إذا كان فعلا ماضيا مثبتا لتأكيد تحقيق التلازم بين شرط (لو) وجوابها، ويكثر أن يجرد جواب- لو- عن اللام، كما سيأتي عند قوله تعالى: لو نشاء جعلناه أجاجا في سورة الواقعة [70] . [66] 66] ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. إقامة الشيء جعله قائما، كما تقدم في أول سورة البقرة. واستعيرت الإقامة لعدم الإضاعة لأن الشيء المضاع يكون ملقى، ولذلك يقال له: شيء لقى، ولأن الإنسان يكون في حال قيامه أقدر على الأشياء، فلذا قالوا: قامت السوق. فيجوز أن يكون معنى إقامة التوراة والإنجيل إقامة تشريعهما قبل الإسلام، أي لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غضبه فلأغدق عليهم نعمه، فاليهود آمنوا بالتوراة ولم يقيموا أحكامها كما تقدم آنفا، وكفروا بالإنجيل ورفضوه، وذلك أشد في عدم إقامته، وبالقرآن. وقد أو مأت الآية إلى أن سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب الله تعالى عليهم لإضاعتهم التوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن، أي فتحتمت عليهم النقمة بعد نزول القرآن. ويحتمل أن يكون المراد: لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام، أي بالاعتراف بما في التوراة والإنجيل من التبشير ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم حتى يؤمنوا به وبما جاء به، فتكون الآية إشارة إلى ضيق معاشهم بعد هجرة الرسول إلى المدينة. ويؤيده ما روي في سبب نزول قوله تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة [المائدة: 64] كما تقدم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٥٣) ↗