البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المائدة · الآية ٥٣

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بين لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء. فإن بعضهم أولياء بعض يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم، ولهذا قال: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العبد منهم. { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أي: الذين وصفهم الظلم، وإليه يرجعون، وعليه يعولون. فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك. ولما نهى الله المؤمنين عن توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفة تواليهم، فقال: { فترى الذين في قلوبهم مرض } أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا { نخشى أن تصيبنا دآئرة } أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافؤننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال تعالى - رادا لظنهم السيئ -: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون { أو أمر من عنده } ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم { فيصبحوا على مآ أسروا } أي: أضمروا { في أنفسهم نادمين } على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم. { ويقول الذين آمنوا } متعجبين من حال هؤلاء الذين في قلوبهم مرض: { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم } أي: حلفوا وأكدوا حلفهم، وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعكم في الإيمان، وما يلزمه من النصرة والمحبة والموالاة، ظهر ما أضمروه، وتبين ما أسروه، وصار كيدهم الذي كادوه، وظنهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر (1) أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم [إن الله لا يهدي القوم الظالمين] } (2) قال (3) ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد -يعني ابن سعيد بن سابق-حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عياض: أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر [رضي الله عنه] (4) وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع [أن يدخل المسجد] (5) فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء [بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين] } (6) ثم قال الحسن بن محمد بن الصباح: حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء [بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم] } (7) الآية. وحدثنا (8) أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال: كل، قال الله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وروي عن أبي الزناد، نحو ذلك. وقوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي: شك، وريب، ونفاق {يسارعون فيهم} أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك قال …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أهؤلاء الذين أقسموا بالله» بغير واو. وتأويل الكلام على هذه القراءة: فيصبح المنافقون إذا أتى الله بالفتح أو أمر من عنده، على ما أسروا في أنفسهم نادمين، يقول المؤمنين تعجبا منهم ومن نفاقهم وكذبهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة بالله: أهؤلاء الذين أقسموا لنا بالله إنهم لمعنا وهم كاذبون في أيمانهم لنا وهذا المعنى قصد مجاهد في تأويله ذلك الذي: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} [المائدة: 52] حينئذ , يقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد إيمانهم، إنهم لمعكم , حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين PageEndV08P516 كذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة بغير واو وقرأ ذلك بعض البصريين: {ويقول الذين آمنوا} [المائدة: 53] بالواو، ونصب يقول عطفا به على: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وذكر قارئ ذلك أنه كان يقول: إنما يريد بذلك: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وعسى أن يقول الذين آمنوا. ومحال غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: وعسى الله أن يقول الذين آمنوا، وكان يقول: ذلك نحو قولهم: أكلت خبزا ولبنا، وكقول الشاعر: [البحر الكامل] ورأيت زوجك في الوغى %~% متقلدا سيفا ورمحا فتأويل الكلام على هذه القراءة: فعسى الله أن يأتي بالفتح المؤمنين، أو أمر من عنده يديلهم به على أهل الكفر من أعدائهم، فيصبح المنافقون على ما أسروا في أنفسهم نادمين، وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ: هؤلاء الذين أقسموا بالله كذبا جهد أيمانهم إنهم لمعكم. وهي في مصاحف أهل العراق بالواو: {ويقول الذين آمنوا} [المائدة: 53] وقرأ ذلك قراء الكوفيين: {ويقول الذين آمنوا} [المائدة: 53] بالواو ورفع يقول بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب. وتأويل من قرأ ذلك كذلك: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا؛ فيبتدئ يقول فيرفعها. وقراءتنا التي نحن عليها: {ويقول} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

وجدعا له، وفي الحديث «تبا وسحقا لمن بدل بعدي» ، وقوله تعالى: هيهات هيهات لما توعدون [المؤمنون: 36] حاش لله [يوسف: 51] . وذلك أن المقصود التنبيه على المراد من الكلام. ومنه قول تعالى عن زليخا وقالت هيت لك [يوسف: 23] لأن تهيؤها له غريب لا يخطر ببال يوسف فلا يدري ما أرادت فقالت له هيت لك [يوسف: 23] ، إذا كان (هيت) اسم فعل مضي بمعنى تهيأت، ومثل قوله تعالى هنا: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. وقد يكون المقصود معلوما فيخشى خفاؤه فيؤتى باللام لزيادة البيان نحو حاش لله [يوسف: 51] ، وهي حينئذ جديرة باسم لام التبيين، كالداخلة إلى المواجه بالخطاب في قولهم: سقيا لك ورعيا، ونحوهما، وفي قوله: هيت [يوسف: 23] اسم فعل أمر بمعنى تعال. وإنما لم تجعل في بعض هذه المواضع لام تقوية، لأن لام التقوية يصح الاستغناء عنها مع ذكر مدخولها، وفي هذه المواضع لا يذكر مدخول اللام إلا معها. [51- 53] يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) تهيأت نفوس المؤمنين لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب بعد ما سمعوا من اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليب الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم بالخطاب بقوله: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى الآية، لأن الولاية تنبني على الوفاق والوئام والصلة

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٢٨) ↗