سورة المائدة · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بين لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء. فإن بعضهم أولياء بعض يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم، ولهذا قال: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العبد منهم. { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أي: الذين وصفهم الظلم، وإليه يرجعون، وعليه يعولون. فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك. ولما نهى الله المؤمنين عن توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفة تواليهم، فقال: { فترى الذين في قلوبهم مرض } أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا { نخشى أن تصيبنا دآئرة } أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافؤننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال تعالى - رادا لظنهم السيئ -: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون { أو أمر من عنده } ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم { فيصبحوا على مآ أسروا } أي: أضمروا { في أنفسهم نادمين } على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم. { ويقول الذين آمنوا } متعجبين من حال هؤلاء الذين في قلوبهم مرض: { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم } أي: حلفوا وأكدوا حلفهم، وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعكم في الإيمان، وما يلزمه من النصرة والمحبة والموالاة، ظهر ما أضمروه، وتبين ما أسروه، وصار كيدهم الذي كادوه، وظنهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لا يهدي القوم الظالمين] } (6) ثم قال الحسن بن محمد بن الصباح: حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء [بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم] } (7) الآية. وحدثنا (8) أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال: كل، قال الله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وروي عن أبي الزناد، نحو ذلك. وقوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي: شك، وريب، ونفاق {يسارعون فيهم} أي: يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك قال الله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} قال السدي: يعني فتح مكة. وقال غيره: يعني القضاء والفصل {أو أمر من عنده} قال السدي: يعني ضرب الجزية على
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/١٣٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
سلول
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٥١٠) ↗التحرير والتنوير
وجدعا له، وفي الحديث «تبا وسحقا لمن بدل بعدي» ، وقوله تعالى: هيهات هيهات لما توعدون [المؤمنون: 36] حاش لله [يوسف: 51] . وذلك أن المقصود التنبيه على المراد من الكلام. ومنه قول تعالى عن زليخا وقالت هيت لك [يوسف: 23] لأن تهيؤها له غريب لا يخطر ببال يوسف فلا يدري ما أرادت فقالت له هيت لك [يوسف: 23] ، إذا كان (هيت) اسم فعل مضي بمعنى تهيأت، ومثل قوله تعالى هنا: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. وقد يكون المقصود معلوما فيخشى خفاؤه فيؤتى باللام لزيادة البيان نحو حاش لله [يوسف: 51] ، وهي حينئذ جديرة باسم لام التبيين، كالداخلة إلى المواجه بالخطاب في قولهم: سقيا لك ورعيا، ونحوهما، وفي قوله: هيت [يوسف: 23] اسم فعل أمر بمعنى تعال. وإنما لم تجعل في بعض هذه المواضع لام تقوية، لأن لام التقوية يصح الاستغناء عنها مع ذكر مدخولها، وفي هذه المواضع لا يذكر مدخول اللام إلا معها. [51- 53] يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) تهيأت نفوس المؤمنين لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب بعد ما سمعوا من اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليب الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم بالخطاب بقوله: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى الآية، لأن الولاية تنبني على الوفاق والوئام والصلة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٢٨) ↗