سورة المائدة · الآية ٤٩
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب } الذي هو القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجلها. { بالحق } أي: إنزالا بالحق، ومشتملا على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه. { مصدقا لما بين يديه من الكتاب } لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقا لخبرها. { ومهيمنا عليه } أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه. وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه. { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك. { ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق } أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. { لكل جعلنا منكم } أيها الأمم جعلنا { شرعة ومنهاجا } أي: سبيلا وسنة، وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع. { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } تبعا لشريعة واحدة، لا يختلف متأخرها و[لا] متقدمها. { واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم } فيختبركم وينظر كيف تعملون، ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته، ويؤتي كل أحد ما يليق به، وليحصل التنافس بين الأمم فكل أمة تحرص على سبق غيرها، ولهذا قال: { فاستبقوا الخيرات } أي: بادروا إليها وأكملوها، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب، من حقوق الله وحقوق عباده، لا يصير …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… مصدقا لما بين يديه من الكتاب مهيمنا عليه". يعني من غير عطف. وقوله: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} أي: فاحكم يا محمد بين الناس: عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم {بما أنزل الله} إليك في (4) هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك. هكذا وجهه ابن جرير بمعناه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيرا، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم. فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا. وقوله: {ولا تتبع أهواءهم} أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسوله؛ ولهذا قال: {ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} أي: لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/١٢٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب، مصدقا لما بين يديه من الكتاب، وأن احكم بينهم فأن في موضع نصب بالتنزيل، ويعني بقوله: {بما أنزل الله} [البقرة: 90] بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. وأما قوله: {ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 48] فإنه نهي من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء اليهود الذين احتكموا إليه في قتيلهم وفاجريهم، وأمر منه له بلزوم العمل بكتابه الذي أنزله إليه. وقوله: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: واحذر يا محمد هؤلاء اليهود الذين جاءوك محتكمين إليك أن يفتنوك، فيصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتباع أهوائهم. وقوله: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] يقول تعالى ذكره: فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به عليهم، وقضيت فيهم، فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، يقول: فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضا بحكمك وقد قضيت بالحق إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم {وإن كثيرا من الناس لفاسقون} [المائدة: 49] يقول: " وإن كثيرا من اليهود لفاسقون، يقول: لتاركو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٥٠١) ↗التحرير والتنوير
… القول فقال فريق منهم: كان اليهود بالمدينة يومئذ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمة، فالتخيير باق مع أمثالهم ممن ليس داخلا تحت ذمة الإسلام، بخلاف الذين دخلوا في ذمة الإسلام، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم. وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى بن دينار، لأن اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فدك وهما يومئذ من دار الحرب في موادعة. وقال الجمهور: هذا التخيير عام في أهل الذمة أيضا. وهذا قول مالك ورواية عن الشافعي. قال مالك: الإعراض أولى. وقيل: لا يحكم بينهم في الحدود، وهذا أحد قولي الشافعي. وقيل: التخيير منسوخ بقوله تعالى بعد وأن احكم بينهم بما أنزل الله [المائدة: 49] ، وهو قول أبي حنيفة، وقاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، وعطاء، الخراساني، ويبعده أن سياق الآيات يقتضي أنها نزلت في نسق واحد فيبعد أن يكون آخرها نسخا لأولها. وقوله: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط أي بالعدل. والعدل: الحكم الموافق لشريعة الإسلام. وهذا يحتمل أن الله نهى رسوله عن أن يحكم بينهم بما في التوراة لأنها شريعة منسوخة بالإسلام. وهذا الذي رواه مالك. وعلى هذا فالقصة التي حكموا فيها رسول الله لم يحكم فيها الرسول على الزانيين ولكنه قصر حكمه على أن بين لليهود حقيقة شرعهم في التوراة، فاتضح بطلان ما كانوا يحكمون به لعدم موافقته شرعهم ولا شرع الإسلام فهو حكم على اليهود بأنهم كتموا. ويكون ما وقع في حديث «الموطأ» والبخاري: أن الرجل والمرأة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٠٤) ↗