سورة المائدة · الآية ٢٢
﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
إلى آخر القصة. لما امتن الله على موسى وقومه بنجاتهم من فرعون وقومه وأسرهم واستبعادهم، ذهبوا قاصدين لأوطانهم ومساكنهم، وهي بيت المقدس وما حواليه، وقاربوا وصول بيت المقدس، وكان الله قد فرض عليهم جهاد عدوهم ليخرجوه من ديارهم. فوعظهم موسى عليه السلام وذكرهم ليقدموا على الجهاد فقال لهم: { ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } بقلوبكم وألسنتكم. فإن ذكرها داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة، { إذ جعل فيكم أنبيآء } يدعونكم إلى الهدى، ويحذرونكم من الردى، ويحثونكم على سعادتكم الأبدية، ويعلمونكم ما لم تكونوا تعلمون { وجعلكم ملوكا } تملكون أمركم، بحيث إنه زال عنكم استعباد عدوكم لكم، فكنتم تملكون أمركم، وتتمكنون من إقامة دينكم. { وآتاكم } من النعم الدينية والدنيوية { ما لم يؤت أحدا من العالمين } فإنهم في ذلك الزمان خيرة الخلق، وأكرمهم على الله تعالى. وقد أنعم عليهم بنعم ما كانت لغيرهم. فذكرهم بالنعم الدينية والدنيوية، الداعي ذلك لإيمانهم وثباته، وثباتهم على الجهاد، وإقدامهم عليه، ولهذا قال: { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة }. أي: المطهرة { التي كتب الله لكم }. فأخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم، إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر الله، وأنه قد كتب الله لهم دخولها، وانتصارهم على عدوهم. { ولا ترتدوا } أي: ترجعوا { على أدباركم فتنقلبوا خسرين } قد خسرتم دنياكم بما فاتكم من النصر على الأعداء وفتح بلادكم. وآخرتكم بما فاتكم من الثواب، وما استحققتم -بمعصيتكم- من العقاب، فقالوا قولا يدل على ضعف قلوبهم، وخور نفوسهم، وعدم اهتمامهم بأمر الله ورسوله. { قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين } شديدي القوة والشجاعة، أي: فهذا من الموانع لنا من دخولها. { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون }. وهذا من الجبن وقلة اليقين، وإلا فلو كان معهم رشدهم، لعلموا أنهم كلهم من بني آدم، وأن القوي من أعانه الله بقوة من عنده، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال: المرأة والخادم {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (1) ولم يخرجاه. (2) وقال ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة (3) والخادم والدار (4) سمي ملكا. وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو هانئ؛ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا (5) من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادما. قال (6) فأنت من الملوك. (7) وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار؟ رواه ابن جرير. ثم روي عن منصور والحكم، ومجاهد، وسفيان الثوري نحوا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران. وقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم، واستؤذن عليه، فهو ملك. وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم. وقال السدي في قوله: {وجعلكم ملوكا} قال: يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كتب ملكا". (8) وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال ابن جرير: حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، [قال] (9) سمعت زيد بن أسلم يقول: {وجعلكم ملوكا} فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له بيت وخادم فهو ملك". وهذا مرسل غريب. (10) وقال مالك: بيت وخادم وزوجة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٧٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
#، واعتلوا عليه في ذلك بأن قالوا: إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها قوما جبارين لا طاقة لنا بحربهم ولا قوة لنا بهم. وسموهم جبارين , لأنهم كانوا بشدة بطشهم وعظيم خلقهم فيما ذكر لنا قد قهروا سائر الأمم غيرهم. وأصل الجبار: المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجتر نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلب الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدي إلى ما ليس له بغيا على الناس وقهرا لهم وعتوا على ربه: جبار، وإنما هو فعال من قولهم: جبر فلان هذا الكسر إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول الراجز: [البحر الرجز] قد جبر الدين الإله فجبر %~% وعور الرحمن من ولى العور يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح، ومن أسماء الله تعالى ذكره الجبار , لأنه المصلح أمر عباده القاهر لهم بقدرته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٢٨٩) ↗التحرير والتنوير
وعندي: أن الذي ألجأ النحويين والمفسرين لهذا التأويل هو البناء على أن (أن) تخلص المضارع للاستقبال فتقتضي أن قول أهل الكتاب: ما جاءنا بشير ولا نذير غير حاصل في حال نزول الآية، وأنه مقدر حصوله في المستقبل. ويظهر أن إفادة (أن) تخليص المضارع للمستقبل إفادة أكثرية وليست بمطردة، وقد ذهب إلى ذلك أبو حيان وذكر أن أبا بكر الباقلاني ذهب إليه، بل قد تفيد (أن) مجرد المصدرية كقوله تعالى: وأن تصوموا خير لكم [البقرة: 183] ، وقول امرئ القيس: فإما تريني لا أغمض ساعة ... من الليل إلا أن أكب وأنعسا فإنه لا يريد أنه ينعس في المستقبل. وأن صرفها عن إفادة الاستقبال يعتمد على القرائن، فيكون المعنى هنا أن أهل الكتاب قد قالوا هذا العذر لمن يلومهم مثل الذين اتبعوا الحنيفية، كأمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل، أو قاله اليهود لنصارى العرب. وقوله: فقد جاءكم بشير ونذير الفاء فيه للفصيحة، وقد ظهر حسن موقعها بما قررت به معنى التعليل، أي لإن قلتم ذلك فقد بطل قولكم إذ قد جاءكم بشير ونذير. ونظير هذا قول عباس بن الأحنف: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا [20- 22] 22] وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٦٠) ↗