سورة المائدة · الآية ١٣
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه أخذ على بني إسرائيل الميثاق الثقيل المؤكد، وذكر صفة الميثاق وأجرهم إن قاموا به، وإثمهم إن لم يقوموا به، ثم ذكر أنهم ما قاموا به، وذكر ما عاقبهم به، فقال: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل } أي: عهدهم المؤكد الغليظ، { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } أي: رئيسا وعريفا على من تحته، ليكون ناظرا عليهم، حاثا لهم على القيام بما أمروا به، مطالبا يدعوهم. { وقال الله } للنقباء الذين تحملوا من الأعباء ما تحملوا: { إني معكم } أي: بالعون والنصر، فإن المعونة بقدر المؤنة. ثم ذكر ما واثقهم عليه فقال: { لئن أقمتم الصلاة } ظاهرا وباطنا، بالإتيان بما يلزم وينبغي فيها، والمداومة على ذلك { وآتيتم الزكاة } لمستحقيها { وآمنتم برسلي } جميعهم، الذين أفضلهم وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم، { وعزرتموهم } أي: عظمتموهم، وأديتم ما يجب لهم من الاحترام والطاعة { وأقرضتم الله قرضا حسنا } وهو الصدقة والإحسان، الصادر عن الصدق والإخلاص وطيب المكسب، فإذا قمتم بذلك { لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار } فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة وما فيها من النعيم، واندفاع المكروه بتكفير السيئات، ودفع ما يترتب عليها من العقوبات. { فمن كفر بعد ذلك } العهد والميثاق المؤكد بالأيمان، والالتزامات المقرون بالترغيب بذكر ثوابه. { فقد ضل سوآء السبيل } أي: عن عمد وعلم، فيستحق ما يستحقه الضالون من حرمان الثواب، وحصول العقاب. فكأنه قيل: ليت شعري ماذا فعلوا؟ وهل وفوا بما عاهدوا الله عليه أم نكثوا؟ فبين أنهم نقضوا ذلك فقال: { فبما نقضهم ميثاقهم } أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات: الأولى: أنا { لعناهم } أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا، حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أخذ عليهم، الذي هو سببها الأعظم. الثانية: قوله: { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ، ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ميكي". (6) وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم، قال فيها: فعلى بني روبيل: "الصوني بن سادون"، وعلى بني شمعون: "شموال بن صورشكي"، وعلى بني يهوذا: "يحشون بن عمبيا ذاب (1) وعلى بني يساخر: "شال بن صاعون"، وعلى بني زبلون: "الياب بن حالوب (2) ، وعلى بني يوسف إفرايم: "منشا (3) بن عمنهود"، وعلى بني منشا: "حمليائيل بن يرصون"، وعلى بني بنيامين: "أبيدن بن جدعون"، وعلى بني دان: "جعيذر بن عميشذي"، وعلى بني أسير: "نحايل بن عجران"، وعلى بني حاز: "السيف بن دعواييل"، وعلى بني نفتالي: "أجزع بن عمينان". وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيبا، ثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر -ويقال بدله: أبو الهيثم بن التيهان-رضي الله عنهم، وتسعة من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان (4) والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمرو بن خنيس، رضي الله عنهم. وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إسحاق، رحمه الله. (5) والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، وهم الذين ولوا المبايعة والمعاقدة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
#، لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك، ونكثوا العهد الذي بينك وبينهم، غدرا منهم بك وأصحابك، فإن ذلك من عاداتهم وعادات سلفهم؛ ومن ذلك أني أخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى صلى الله عليه وسلم على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر نقيبا وقد تخيروا من جميعهم ليتجسسوا أخبار الجبابرة، ووعدتهم النصر عليهم، وأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، بعد ما أريتهم من العبر والآيات بإهلاك فرعون وقومه في البحر وفلق البحر لهم وسائر العبر ما أريتهم، فنقضوا ميثاقهم الذي واثقوني ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم؛ فإذا كان ذلك من فعل خيارهم مع أيادي عندهم، فلا تستنكروا مثله من فعل أراذلهم. وفي الكلام محذوف اكتفي بدلالة الظاهر عليه، وذلك أن معنى الكلام: فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل، فنقضوا الميثاق، فلعنتهم، فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم , فاكتفى بقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] من ذكر فنقضوا. ويعني بقوله جل ثناؤه: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] فبنقضهم ميثاقهم. كما قال قتادة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} [المائدة: 13] يقول: «فبنقضهم ميثاقهم لعناهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] قال: «هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه» وقد ذكرنا معنى اللعن في غير هذا الموضع. والهاء والميم من قوله: {فبما نقضهم} [النساء: 155] عائدتان على ذكر بني إسرائيل قبل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٨/٢٤٩) ↗التحرير والتنوير
جواب القسم، ولعل هذا بعض ما تضمنه الميثاق، كما أن قوله: لأكفرن عنكم سيئاتكم بعض ما شمله قوله: إني معكم. والمراد بالزكاة ما كان مفروضا على بني إسرائيل: من إعطائهم عشر محصولات ثمارهم وزرعهم، مما جاء في الفصل الثامن عشر من سفر العدد، والفصل الرابع عشر والفصل التاسع عشر من سفر التثنية. وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين في سورة البقرة [43] . والتعزير: النصر. يقال: عزره مخففا، وعزره مشددا، وهو مبالغة في عزره عزرا إذا نصره، وأصله المنع، لأن الناصر يمنع المعتدي على منصوره. ومعنى وأقرضتم الله قرضا حسنا الصدقات غير الواجبة. وتكفير السيئات: مغفرة ما فرط منهم من التعاصي للرسول فجعل الطاعة والتوبة مكفرتين عن المعاصي. وقوله: فقد ضل سواء السبيل أي فقد حاد عن الطريق المستقيم، وذلك لا عذر لسائر فيه حين يضله، لأن الطريق السوي لا يحوج السائر فيه إلى الروغان في ثنيات قد تختلط عليه وتفضي به إلى التيه في الضلال. [13] 13] فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) قوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم قد تقدم الكلام على نظيره في قوله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٤٢) ↗