سورة المائدة · الآية ١١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا } إلى آخر الآيات أي: واذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي، أو أوحيت إليهم على لسانك، أي: أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا، وقالوا: آمنا بالله، واشهد بأننا مسلمون، فجمعوا بين الإسلام الظاهر، والانقياد بالأعمال الصالحة، والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق ومن ضعف الإيمان. والحواريون هم: الأنصار، كما قال تعالى: كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله [الصف: 14]. { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئا. فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك ف { قالوا نريد أن نأكل منها } وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، { وتطمئن قلوبنا } بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين. كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260]. فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ولهذا قال: { ونعلم أن قد صدقتنا } أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، { ونكون عليها من الشاهدين } فتكون مصلحة لمن بعدنا، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة فيقال: "سورة المائدة". وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى، عليه السلام، لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة. وقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة (1) ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم. فقوله تعالى: {إذ قال الحواريون} وهم أتباع عيسى (2) عليه السلام: {يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون: "هل تستطيع ربك" أي: هل تستطيع أن تسأل ربك {أن ينزل علينا مائدة من السماء} . والمائدة هي: الخوان عليه طعام. وذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم (3) فسألوا أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها على العبادة. قال: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} أي: فأجابهم المسيح، عليه السلام، قائلا لهم: اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين. {قالوا نريد أن نأكل منها} أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها {وتطمئن قلوبنا} إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء {ونعلم أن قد صدقتنا} أي: ونزداد إيمانا بك وعلما برسالتك، {ونكون عليها من الشاهدين} أي: ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به. {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} قال السدي: أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري: يعني يوما نصلي فيه، وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم، وعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا. وقيل: كافية لأولنا وآخرنا. {وآية منك} أي: دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك {وارزقنا} أي: من عندك رزقا هنيئا بلا كلفة ولا تعب {وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ف (إذ) الثانية من صلة (أوحيت) . واختلفت القراء في قراءة قوله: يستطيع ربك، فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: (هل تستطيع) بالتاء، (ربك) بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك، وهل تستطيع أن تدعو ربك، أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي PageEndV09P118 مليكة، قال: قالت عائشة: " كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى، هل تستطيع ربك؟ " حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا ابن مهدي، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن حيان بن مخارق، عن سعيد بن جبير، أنه قرأها كذلك: (هل تستطيع ربك) ، وقال: تستطيع أن تسأل ربك؟ وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والعراق: {هل يستطيع} [المائدة: 112] بالياء {ربك} [المائدة: 112] ، بمعنى أن ينزل علينا ربك، كما يقول الرجل لصاحبه: أتستطيع أن تنهض معنا في كذا؟ وهو يعلم أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ وقد يجوز أن يكون مراد قارئه كذلك: هل يستجيب لك ربك ويطيعك أن تنزل علينا؟ وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك: {هل يستطيع} [المائدة: 112] بالياء {ربك} [المائدة: 112] برفع الرب، بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟ وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله: {إذ قال
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١١٨) ↗التحرير والتنوير
فكان الحواريون سابقين إلى الإيمان لم يترددوا في صدق عيسى. وأن تفسيرية للوحي الذي ألقاه الله في قلوب الحواريين. وفصل جملة قالوا آمنا لأنها جواب ما فيه معنى القول، وهو «أوحينا» ، على طريقة الفصل في المحاورة كما تقدم في سورة البقرة، وهو قول نفسي حصل حين ألقى الله في قلوبهم تصديق عيسى فكأنه خاطبهم فأجابوه. والخطاب في قولهم: واشهد لله تعالى وإنما قالوا ذلك بكلام نفسي من لغتهم، فحكى الله معناه بما يؤديه قوله: واشهد بأننا مسلمون. وسمى إيمانهم إسلاما لأنه كان تصديقا راسخا قد ارتفعوا به عن مرتبة إيمان عامة من آمن بالمسيح غيرهم، فكانوا مماثلين لإيمان عيسى، وهو إيمان الأنبياء والصديقين، وقد قدمت بيانه في تفسير قوله تعالى: ولكن كان حنيفا مسلما في سورة آل عمران [67] ، وفي تفسير قوله فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون في سورة البقرة [132] فارجع إليه. [112، 113] 113] إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113) جملة: إذ قال الحواريون يجوز أن تكون من تمام الكلام الذي يكلم الله به عيسى يوم يجمع الرسل، فيكون إذ ظرفا متعلقا بفعل قالوا آمنا [المائدة: 111] فيكون مما يذكر الله به عيسى يوم يجمع الرسل، فحكي على حسب حصوله في الدنيا وليس ذلك بمقتض أن سؤالهم المائدة حصل في أول أوقات إيمانهم بل في وقت آخر قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون [المائدة: 111] فإن قولهم آمنا قد يتكرر منهم بمناسبات، كما يكون عند سماعهم تكذيب اليهود عيسى، أو عند ما يشاهدون آيات على يد عيسى، أو يقولونه لإعادة استحضار الإيمان شأن الصديقين الذين يحاسبون أنفسهم ويصقلون إيمانهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٠٤) ↗