سورة المائدة · الآية ١١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا } إلى آخر الآيات أي: واذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي، أو أوحيت إليهم على لسانك، أي: أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا، وقالوا: آمنا بالله، واشهد بأننا مسلمون، فجمعوا بين الإسلام الظاهر، والانقياد بالأعمال الصالحة، والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق ومن ضعف الإيمان. والحواريون هم: الأنصار، كما قال تعالى: كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله [الصف: 14]. { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئا. فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك ف { قالوا نريد أن نأكل منها } وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، { وتطمئن قلوبنا } بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين. كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260]. فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ولهذا قال: { ونعلم أن قد صدقتنا } أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، { ونكون عليها من الشاهدين } فتكون مصلحة لمن بعدنا، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يذكر تعالى ما امتن به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام مما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات، فقال تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} أي: في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء {وعلى والدتك} حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة، {إذ أيدتك بروح القدس} وهو جبريل، عليه السلام، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرا، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك (1) إلى عبادتي؛ ولهذا قال تعالى: {تكلم الناس في المهد وكهلا} أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن "تكلم" تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب. وقوله: {وإذ علمتك الكتاب والحكمة} أي: الخط والفهم {والتوراة} وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث ويراد به ما هو أعم من ذلك. وقوله: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك فيكون طائرا بإذني، أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيرا ذا روح بإذن الله وخلقه. وقوله: {وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني} قد تقدم الكلام على ذلك (2) في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله: {وإذ تخرج الموتى بإذني} أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته، وإرادته ومشيئته. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا محمد بن طلحة -يعني ابن مصرف-عن أبي بشر، عن أبي الهذيل قال: كان عيسى ابن مريم، عليه السلام، إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى: {تبارك الذي بيده الملك} [سورة الملك] ، وفي الثانية: {الم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٢٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إعادته.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١١٦) ↗التحرير والتنوير
بينهم. وقوله: فقال الذين كفروا منهم تخلص من تنهية تقريع مكذبيه إلى كرامة المصدقين به. واقتصر من دعاوي تكذيبهم إياه على قولهم إن هذا إلا سحر مبين، لأن ذلك الادعاء قصدوا به التوسل إلى قتله، لأن حكم الساحر في شريعة اليهود القتل إذ السحر عندهم كفر، إذ كان من صناعة عبدة الأصنام، فقد قرنت التوراة السحر وعرافة الجان بالشرك، كما جاء في سفر اللاويين في الإصحاح العشرين. وقرأ الجمهور: إن هذا إلا سحر، والإشارة ب هذا إلى مجموع ما شاهدوه من البينات. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف إلا ساحر. والإشارة إلى عيسى المفهوم من قوله: إذ جئتهم بالبينات. ولا شك أن اليهود قالوا لعيسى كلتا المقالتين على التفريق أو على اختلاف جماعات القائلين وأوقات القول. [111] وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (111) يجوز أن يكون عطفا على جملة إذ أيدتك بروح القدس [المائدة: 110] ، فيكون من جملة ما يقوله الله لعيسى يوم يجمع الرسل. فإن إيمان الحواريين نعمة على عيسى إذ لو لم يؤمنوا به لما وجد من يتبع دينه فلا يحصل له الثواب المتجدد بتجدد اهتداء الأجيال بدينه إلى أن جاء نسخه بالإسلام. والمراد بالوحي إلى الحواريين إلهامهم عند سماع دعوة عيسى للمبادرة بتصديقه، فليس المراد بالوحي الذي به دعاهم عيسى. ويجوز أن يكون الوحي الذي أوحي به إلى عيسى ليدعو بني إسرائيل إلى دينه. وخص الحواريون به هنا تنويها بهم حتى كأن الوحي بالدعوة لم يكن إلا لأجلهم، لأن ذلك حصل لجميع بني إسرائيل فكفر أكثرهم على نحو قوله تعالى: كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة [الصف: 14]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٠٣) ↗