سورة المائدة · الآية ١٠٢
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما أنه لو بين للسائل لم يكن له فيه خير، وكسؤالهم للأمور غير الواقعة. وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة، وما أشبهها هي المنهي عنها، وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك فهذا مأمور به، كما قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43]. { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } أي: وإذا وافق سؤالكم محله فسألتم عنها حين ينزل عليكم القرآن، فتسألون عن آية أشكلت، أو حكم خفي وجهه عليكم، في وقت يمكن فيه نزول الوحي من السماء، تبد لكم، أي: تبين لكم وتظهر، وإلا فاسكتوا عما سكت الله عنه. { عفا الله عنها } أي: سكت معافيا لعباده منها، فكل ما سكت الله عنه فهو مما أباحه وعفا عنه. { والله غفور حليم } أي: لم يزل بالمغفرة موصوفا، وبالحلم والإحسان معروفا، فتعرضوا لمغفرته وإحسانه، واطلبوه من رحمته ورضوانه. وهذه المسائل التي نهيتم عنها { قد سألها قوم من قبلكم } أي: جنسها وشبهها، سؤال تعنت لا استرشاد. فلما بينت لهم وجاءتهم { ثم أصبحوا بها كافرين } كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم ".
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المائدة ١٠١–١٠٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين. فقال رجل: من أبي؟ قال: "فلان"، فنزلت هذه الآية: {لا تسألوا عن أشياء} رواه النضر وروح بن عبادة، عن شعبة (1) وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع، ومسلم، وأحمد، والترمذي، والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج، به.(2) وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر، فقال: "لا تسألوا اليوم عن شيء إلا بينته لكم". فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلا لافا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال: "أبوك حذافة". قال: ثم قام عمر -أو قال: فأنشأ عمر- فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا عائذا بالله -أو قال: أعوذ بالله-من شر الفتن قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط". أخرجاه من طريق سعيد. (3) ورواه معمر، عن الزهري، عن أنس بنحو ذلك -أو قريبا منه-قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدا أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس، فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. (4) وقال ابن جرير أيضا: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٥) ↗التحرير والتنوير
يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) استئناف ابتدائي للنهي عن العودة إلى مسائل سألها بعض المؤمنين رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ليست في شؤون الدين ولكنها في شؤون ذاتية خاصة بهم، فنهوا أن يشغلوا الرسول بمثالها بعد أن قدم لهم بيان مهمة الرسول بقوله تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ [المائدة: 99] الصالح لأن يكون مقدمة لمضمون هذه الآية ولمضمون الآية السابقة، وهي قوله: قل لا يستوي الخبيث والطيب [المائدة: 100] فالآيتان كلتاهما مرتبطتان بآية ما على الرسول إلا البلاغ [المائدة: 99] ، وليست إحدى هاتين الآيتين بمرتبطة بالأخرى. وقد اختلفت الروايات في بيان نوع هذه الأشياء المسئول عنها والصحيح من ذلك حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه في «الصحيحين» قال: سأل الناس رسول الله- صلى الله عليه وسلم - حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم فقال: «لا تسألونني عن شيء إلا بينت لكم» ، فأنشأ رجل كان إذا لا حى يدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي قال: أبوك حذافة (أي فدعاه لأبيه الذي يعرف به) ، والسائل هو عبد الله بن حذافة السهمي، كما ورد في بعض روايات الحديث. وفي رواية لمسلم عن أبي موسى: فقام رجل آخر فقال من أبي، قال: أبوك سالم مولى شيبة. وفي بعض روايات هذا الخبر في غير الصحيح عن أبي هريرة أن رجلا آخر قام فقال: أين أبي. وفي رواية: أين أنا؟ فقال: في النار. وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس قال: كان قوم، أي من المنافقين، يسألون رسول الله استهزاء فيقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي، ويقول الرجل: من أبي، ويقول المسافر: ماذا ألقى في سفري، فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٦٥) ↗