سورة الحجرات · الآية ١٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن مقالة الأعراب الذين دخلوا في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخولا من غير بصيرة، ولا قيام بما يجب ويقتضيه الإيمان، أنهم ادعوا مع هذا وقالوا: آمنا أي: إيمانا كاملا، مستوفيا لجميع أموره هذا موجب هذا الكلام، فأمر الله رسوله أن يرد عليهم، فقال: { قل لم تؤمنوا } أي: لا تدعوا لأنفسكم مقام الإيمان، ظاهرا وباطنا، كاملا. { ولكن قولوا أسلمنا } أي: دخلنا في الإسلام، واقتصروا على ذلك. { و } السبب في ذلك، أنه { لما يدخل الإيمان في قلوبكم } وإنما آمنتم خوفا، أو رجاء أو نحو ذلك، مما هو السبب في إيمانكم، فلذلك لم تدخل بشاشة الإيمان في قلوبكم، وفي قوله: { لما يدخل الإيمان في قلوبكم } أي: وقت هذا الكلام الذي صدر منكم، فكان فيه إشارة إلى أحوالهم بعد ذلك، فإن كثيرا منهم، من الله عليهم بالإيمان الحقيقي، والجهاد في سبيل الله، { وإن تطيعوا الله ورسوله } بفعل خير، أو ترك شر { لا يلتكم من أعمالكم شيئا } أي: لا ينقصكم منها مثقال ذرة، بل يوفيكم إياها أكمل ما تكون لا تفقدون منها صغيرا ولا كبيرا، { إن الله غفور رحيم } أي: غفور لمن تاب إليه وأناب، رحيم به، حيث قبل توبته. { إنما المؤمنون } أي: على الحقيقة { الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } أي: من جمعوا بين الإيمان والجهاد في سبيله، فإن من جاهد الكفار، دل ذلك على الإيمان التام في القلب، لأن من جاهد غيره على الإسلام، والقيام بشرائعه، فجهاده لنفسه على ذلك، من باب أولى وأحرى ولأن من لم يقو على الجهاد، فإن ذلك دليل على ضعف إيمانه، وشرط تعالى في الإيمان عدم الريب، وهو الشك، لأن الإيمان النافع هو الجزم اليقيني بما أمر الله بالإيمان به، الذي لا يعتريه شك بوجه من الوجوه. وقوله: { أولئك هم الصادقون } أي: الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الجميلة، فإن الصدق دعوى كبيرة في كل شيء يدعى يحتاج صاحبه إلى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} . وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل، عليه السلام، حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه. قال (1) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا، وهو مؤمن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أو مسلم" حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أو مسلم" ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي منهم فلم أعطيه شيئا؛ مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم". أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به (2) . فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام. وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من "صحيح البخاري" ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقا؛ لأنه تركه من العطاء ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على (3) أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري، رحمه الله، ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك. وقد روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يعني بطاعتكم ربكم {والله يعلم ما في السموات وما في الأرض} يقول: والله الذي تعلمونه أنكم مؤمنون، علام جميع ما في السماوات السبع والأرضين السبع، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف تعلمونه بدينكم، والذي أنتم عليه من الإيمان، وهو لا يخفى عليه خافية، في سماء ولا أرض، فيخفى عليه ما أنتم عليه من الدين {والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] يقول: والله بكل ما كان وما هو كائن، وبما يكون ذو علم وإنما هذا تقدم من الله إلى هؤلاء الأعراب بالنهي، عن أن يكذبوا ويقولوا غير الذي هم عليه في دينهم يقول: الله محيط بكل شيء عالم به، فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم، فينالكم عقوبته، فإنه لا يخفى عليه شيء
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٣٩٦) ↗التحرير والتنوير
وهذا إيماء إلى بيان قوله: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14] ، أي من أجل ما يخالجكم ارتياب في بعض ما آمنتم به مما اطلع الله عليه. وقوله: أولئك هم الصادقون قصر، وهو قصر إضافي أيضا، أي هم الصادقون لا أنتم في قولكم آمنا. [16] 16] قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) أعيد فعل قل ليدل على أن المقول لهم هذا هم الأعراب الذين أمر أن يقول لهم لم تؤمنوا إلى آخره، فأعيد لما طال الفصل بين القولين بالجمل المتتابعة، فهذا متصل بقوله: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم اتصال البيان بالمبين، ولذلك لم تعطف جملة الاستفهام. وجملة قل معترضة بين الجملتين المبينة والمبينة. قيل: إنهم لما سمعوا قوله تعالى: قل لم تؤمنوا الآية جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحلفوا أنهم مؤمنون فنزل قوله: «قل أتعلمون الله بدينكم ولم يرو بسند معروف وإنما ذكره البغوي تفسيرا ولو كان كذلك لوبخهم الله على الأيمان الكاذبة كما وبخ المنافقين في سورة براءة [42] بقوله وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم الآية. ولم أر ذلك بسند مقبول، فهذه الآية مما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم. والتعليم مبالغة في إيصال العلم إلى المعلم لأن صيغة التفعيل تقتضي قوة في حصول الفعل كالتفريق والتفسير، يقال: أعلمه وعلمه كما يقال: أنبأه ونبأه. وهذا يفيد أنهم تكلفوا وتعسفوا في الاستدلال على خلوص إيمانهم ليقنعوا به الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أبلغهم أن الله نفى عنهم رسوخ الإيمان بمحاولة إقناعه تدل إلى محاولة إقناع الله بما يعلم خلافه. وباء بدينكم زائدة لتأكيد لصوق الفعل بمفعوله كقوله تعالى: وامسحوا برؤسكم وقول النابغة:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٢٦٨) ↗